﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا القول﴾ [ الإسراء : 16 ] فظاهر هذا الكلام أنهم يؤمرون بأن يفسقوا ، ومحكمه قوله تعالى : ﴿إِنَّ الله لاَ يَأْمُرُ بالفحشاء﴾ [ الأعراف : 28 ] رداً على الكفار فيما حكى عنهم ﴿وَإِذَا فَعَلُواْ فاحشة قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا ءَابَاءنَا والله أَمَرَنَا بِهَا﴾ [ الأعراف : 28 ] وكذلك قوله تعالى : ﴿نَسُواْ الله فَنَسِيَهُمْ﴾ [ التوبة : 67 ] وظاهر النسيان ما يكون ضداً للعلم ، ومرجوحه الترك والآية المحكمة فيه قوله تعالى : ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ [ مريم : 64 ] وقوله تعالى : ﴿لاَ يَضِلُّ رَبّى وَلاَ يَنسَى﴾ [ طه : 52 ].
واعلم أن هذا موضع عظيم فنقول : إن كل واحد من أصحاب المذاهب يدعي أن الآيات الموافقة لمذهبه محكمة ، وأن الآيات الموافقة لقول خصمه متشابهة ، فالمعتزلي يقول قوله ﴿فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ﴾ [ الكهف : 29 ] محكم ، وقوله ﴿وَمَا تَشَاءونَ إِلاَّ أَن يَشَاء الله رَبُّ العالمين﴾ [ التكوير : 29 ] متشابه والسني يقلب الأمر في ذلك فلا بد ههنا من قانون يرجع إليه في هذا الباب فنقول : اللفظ إذا كان محتملاً لمعنيين وكان بالنسبة إلى أحدهما راجحاً ، وبالنسبة إلى الآخر مرجوحاً ، فإن حملناه على الراجح ولم نحمله على المرجوح ، فهذا هو المحكم وأما إن حملناه على المرجوح ولم نحمله على الراجح ، فهذا هو المتشابه فنقول : صرف اللفظ عن الراجح إلى المرجوح لا بد فيه من دليل منفصل ، وذلك الدليل المنفصل إما أن يكون لفظياً وإما أن يكون عقلياً.