وقوله : ﴿ وَاعْفُ عَنَّا ﴾ أي : فيما بيننا وبينك مما تعلمه من تقصيرنا وزللنا ، ﴿ وَاغْفِرْ لَنَا ﴾ أي : فيما بيننا وبين عبادك ، فلا تظهرهم على مساوينا وأعمالنا القبيحة ، ﴿ وَارْحَمْنَا ﴾ أي : فيما يُسْتَقبل ، فلا توقعنا بتوفيقك في ذنب آخر ، ولهذا قالوا : إن المذنب محتاج إلى ثلاثة أشياء : أن يعفو الله عنه فيما بينه وبينه ، وأن يستره عن عباده فلا يفضحه به بينهم ، وأن يعصمه فلا يوقعه في نظيره. أ هـ ﴿تفسير ابن كثير حـ 1 صـ 738﴾
وقال ابن عاشور :
وقوله : ﴿ أنت مولانا ﴾ فصله لأنّه كالعلّة للدعوات الماضية : أي دعوناك ورجونا منك ذلك لأنّك مولانا ، ومن شأن المولى الرفقُ بالمملوك ، وليكون هذا أيضاً كالمقدمة للدعوة الآتية.
وقوله : ﴿ فانصرنا على القوم الكافرين ﴾ جيء فيه بالفاء للتفريع عن كونه مولى ، لأنّ شأن المولى أن ينصر مولاه ، ومن هنا يظهر موقع التعجيب والتحسير في قول مرة بن عداء الفقعسي :
رأيتُ مَوَالِيّ الألَى يخذلونني
على حدثَانِ الدّهْرِ إذْ يَتَقلّب...
وفي التفريع بالفاء إيذان بتأكيد طلب إجابة الدعاء بالنصر ، لأنّهم جعلوه مرتّباً على وصف محقّق ، وهو ولاية الله تعالى المؤمنين ، قال تعالى : ﴿ اللَّه ولي الذين آمنوا ﴾ [ البقرة : 257 ] وفي حديث يوم أحد لَمَّا قال أبو سفيان : "لَنا العُزّى ولا عُزَّى لكم" قال النبي صلى الله عليه وسلم أجيبوه " الله مولانا ولا مولَى لكم ".
ووجه الاهتمام بهذه الدعوة أنّها جامعة لخيري الدنيا والآخرة ؛ لأنّهم إذا نصروا على العدوّ ، فقد طاب عيشهم وظهر دينهم ، وسلموا من الفتنة ، ودخل الناس فيه أفواجاً. أ هـ ﴿التحرير والتنوير حـ 3 صـ 141 ـ 142﴾.
فائدة
قال الشيخ المراغى رحمه الله :
وما علمنا الله هذا الدعاء لتلوكه ألستنا وتتحرك بها شفاهنا فقط ، بل لندعوه مخلصين له لاجئين إليه بعد استعمال ما يصل إليه كسبنا من الأسباب والوسائل التى هى طريق الاستجابة ، فمن فعل ذلك فإن الله يستجيب دعاءه ، ومن لم يعرف من الدعاء إلا حركة اللسان ، مع مخالفة أحكام الشريعة ، وتجافى السنن التى سنها الله ، فهو بدعائه كالساخر من ربه ، فهو لا يستحق منه إلا المقت والخذلان.
ونحن الآن قد أعرضنا عن هدايته ، وتنكبنا سنته فى خليقته ، ثم طلبنا منه النصر بألسنتنا دون قلوبنا ، فلم يستجب لنا دعاء ، وكنا نحن الجانين على أنفسنا ، المستحقين لهذا الخذلان.أ هـ ﴿تفسير المراغى حـ 3 صـ 84 ـ 85﴾.