وعبر بالأكل عن التناول ، لأنه أكبر المقاصد وأضرها ويجري من الإنسان مجرى الدم كالشيطان ﴿لا يقومون﴾ أي عند البعث يظهر ثقله في بطونهم فيمنعهم النشاط ويكون ذلك سيماهم يعرفون به بين أهل الموقف هتكاً لهم وفضيحة.
وقال الحرالي : في إطلاقه إشعار بحالهم في الدنيا والبرزخ والآخرة ،
ففي إعلامه إيذان بأن آكله يسلب عقله ويكون بقاؤه في الدنيا بخرق لا بعقل ، يقبل في محل الإدبار ويدبر في محل الإقبال انتهى.
وهو مؤيد بالمشاهدة فإنا لم نر ولم نسمع قط بآكل ربا ينطق بالحكمة ولا يشهر بفضيلة بل هم أدنى الناس وأدنسهم ﴿إلا كما يقوم﴾ المصروع ﴿الذي يتخبطه﴾ أي يتكلف خبطه ويكلفه إياه ويشق به عليه ﴿الشيطان﴾ ولما كان ذلك قد يظن أنه يخبط الفكر بالوسوسة مثلاً قال : ﴿من﴾ أي تخبطاً مبتدئاً من ﴿المس﴾ أي الجنون ،
فأشار سبحانه وتعالى بذلك إلى المنع من أن تكون النفقة من حرام ولا سيما الربا ،
وإلى أن الخبيث المنهي عن تيمم إنفاقه قسمان : حسي ومعنوي ، والنهي في المعنوي أشد. أ هـ ﴿نظم الدرر حـ 1 صـ 530 ـ 531﴾
قال الفخر :
اعلم أن بين الربا وبين الصدقة مناسبة من جهة التضاد ، وذلك لأن الصدقة عبارة عن تنقيص المال بسبب أمر الله بذلك ، والربا عبارة عن طلب الزيادة على المال مع نهي الله عنه ، فكانا متضادين ، ولهذا قال الله تعالى : ﴿يَمْحَقُ الله الربا وَيُرْبِى الصدقات﴾ فلما حصل بين هذين الحكمين هذا النوع من المناسبة ، لا جرم ذكر عقيب حكم الصدقات حكم الربا. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 74 ـ 75﴾
قال ابن عاشور :
نَظَم القرآنُ أهمّ أصول حفظِ مال الأمَّة في سِلك هاته الآيات.