وله آثار وعلامات وموجِبات ، أَكثر إِشارات القوم إليها ، كقول بعضهم الفقير لا يسبق همَّته ، أَى ابن وقته ، فهمَّته مقصورة على وقته لا يتعدَّاه. وقيل : أَركان الفقر أَربعة : عِلْم يسوسه ، وورع يحجزه ، ويقين يحمله ، وذِكْر يؤنسه. وقال الشِّبلِىّ : حقيقة الفقر أَلاَّ يستغنى بشىء دون الله. وسئل سهل : متى يستريح الفقير ؟ فقال : إِذا لم ير لنفسه غير الوقت الَّذى هو فيه. وقال أَبو حفص : أَحسن ما يتوسَّل به العبد إِلى الله دوام الافتقار إِليه على جميع الأَحوال ، وملازمة السُنَّة فى جميع الأَفعال ، وطلب القُوت من وجه حلال. وقيل : مِن حكم الفقير أَلاَّ يكون له رغبة ، فإِن كان ولا بدّ فلا يجوز رغبتُه كفايتَه. وقيل : الفقِير من لا يَملك ولا يُمْلَك. وأَتمّ من هذا : لا يَملك ولا يملكه مالك. وقيل : من أَراد الفقر لشرفه مات فقيراً ، ومن أَراده لئلا يشتغل عن الله بغيره مات غنيّا.
والفقر له بداية ونهاية ، فبدايته الذلُّ ونهايته العزّ ، وظاهره العُدْم وباطنه الغِنى ، كما قال رجل لآخر ، [الفقر] فقر وذلّ ، فقال ، لا : بل فقر وعِزّ. فقال : فقر وثرًى. فقال : لا ، بل فقر وعَرْش. وكلاهما مصيب.
واتَّفقت كلمةُ القوم على أَن دوام الافتقار إِلى الله مع تخليط خير من دوام الصَّفاء مع رؤية النَّفس والعُجْب ، مع أَنه لا صفاءَ معهما.
وإِذا عرفت معنى الفقر عرفت عين الغنى بالله تعالى فلا معنى لسؤال من سأَل : أَىّ الحالين أَكمل ؟ الافتقار إِلى الله أَم الاستغناء به ؟ هذه مسأَلة غير صحيحة ، فإِنَّ الاستغناء به هو عين الافتقار إِليه.