قوله تعالى : ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾
قال القرطبى :
يقال : إن من أُعطيَ الحكمة والقرآن فقد أُعطي أفضل ما أُعطي من جمع علم كتب الأوّلين من الصحف وغيرها ؛ لأنه قال لأُولئك : ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [ الإسراء : 85 ].
وسمّى هذا خيراً كثيراً ؛ لأن هذا هو جوامع الكلم.
وقال بعض الحكماء : من أعطي العلم والقرآن ينبغي أن يعرف نفسه ، ولا يتواضع لأهل الدنيا لأجل دنياهم ؛ فإنما أُعطي أفضلَ ما أُعطي أصحاب الدنيا ؛ لأن الله تعالى سَمَّى الدنيا متاعاً قليلاً فقال : ﴿قُلْ مَتَاعُ الدنيا قَلِيلٌ﴾ [ النساء : 77 ] وسَمّى العلم والقرآن "خيراً كثيراً". أ هـ ﴿تفسير القرطبى حـ 3 صـ 330 ـ 331﴾
وقال ابن عاشور :
﴿ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً﴾ وهو الذي شاء الله إيتاءه الحكمة.
والخيرُ الكثير منجّر إليه من سداد الرأي والهدي الإلهي ، ومن تفاريع قواعد الحكمة التي تعصم من الوقوع في الغلط والضلال بمقدار التوغّل في فهمها واستحضار مهمها ؛ لأنّنا إذا تتبّعنا ما يحلّ بالناس من المصائب نجد معظمها من جرّاء الجهالة والضلالة وأفن الرأي.
وبعكس ذلك نجد ما يجتنيه الناس من المنافع والملائمات منجّرا من المعارف والعلم بالحقائق ، ولو أنّنا علمنا الحقائق كلّها لاجتنبنا كل ما نراه موقعاً في البؤس والشقاء. أ هـ ﴿التحرير والتنوير حـ 3 صـ 64﴾
فصل
قال أبو حيان :
﴿ومن يؤت الحكمة﴾ قرأ الجمهور مبنياً للمفعول الذي لم يسم فاعله ، وهو ضمير : من ، وهو المفعول الأول : ليؤت.
وقرأ يعقوب : ومن يؤت ، بكسر التاء مبنياً للفاعل.
قال الزمخشري : بمعنى ومن يؤته الله. انتهى.
فإن أراد تفسير المعنى فهو صحيح ، وإن أراد تفسير الإعراب فليس كذلك ، ليس في يؤت ضمير نصب حذف ، بل مفعوله مقدّم بفعل الشرط ، كما تقول : أياً تعط درهماً أعطه درهماً.