و "كيف" في هذه الآية إنما هي استفهام عن هيئة الإحياء ، والإحياءُ متقرِّرٌ ، ولكن لما وجدنا بعض المنكرين لوجود شيء قد يعبّرون عن إنكاره بالاستفهام عن حالة لذلك الشيء يعلم أنها لا تصح ، فيلزم من ذلك أن الشيء في نفسه لا يصح ؛ مثال ذلك أن يقول مدّع : أنا أرفع هذا الجبل ؛ فيقول المكذِّب له : أرني كيف ترفعه! فهذه طريقة مجازٍ في العبارة ، ومعناها تسليم جَدَليٌّ ، كأنه يقول : افرض أنك ترفعه ، فأرني كيف ترفعه! فلما كانت عبارة الخليل عليه السَّلام بهذا الإشتراك المجازي ، خلص الله له ذلك وحمله على أن بيّن له الحقيقة فقال له : ﴿ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بلى ﴾ فكمل الأمر وتخلّص من كل شك ، ثم علّل عليه السَّلام سؤاله بالطمأنينة.
قلت : هذا ما ذكره ابن عطية وهو بالغ ، ولا يجوز على الأنبياء صلوات الله عليهم مثل هذا الشك فإنه كفر ، والأنبياء متفقون على الإيمان بالبعث.
وقد أخبر الله تعالى أن أنبياءه وأولياءه ليس للشيطان عليهم سبيل فقال : ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾ [ الحجر : 42 ] وقال اللعين : ﴿إلاَّ عبادك منهم المخلصين﴾ ، وإذا لم يكن له عليهم سلطنة فكيف يشككهم ، وإنما سأل أن يشاهد كيفية جمع أجزاء الموتى بعد تفريقها وإيصال الأعصاب والجلود بعد تمزيقها ؛ فأراد أن يترقى من علم اليقين إلى علم اليقين ؛ فقوله : "أرني كيف" طلب مشاهدة الكيفية.
وقال بعض أهل المعاني : إنما أراد إبراهيم من ربه أن يريه كيف يحيي القلوب ؛ وهذا فاسد مردود بما تعقّبه من البيان ، ذكره الماورديّ وليست الألف في قوله : "أَوَ لَمْ تُؤْمِنْ" ألف استفهام وإنما هي ألف إيجاب وتقرير كما قال جرير :
ألستُم خيَر من ركب المَطايَا . . .
والواو واو الحال.
و "تُؤْمِنْ" معناه إيماناً مطلقاً ، دخل فيه فضل إحياء الموتى. أ هـ ﴿تفسير القرطبى حـ 3 صـ 299 ـ 300﴾
وقال أبو حيان :