فائدة
قال الفخر :
احتج الأصحاب بهذه الآية على أنه تعالى هو الخالق لإيمان المؤمنين ، وقالوا : لأن الخصم يساعد على أنه تعالى يريد الإيمان من المؤمن ،
ودلت الآية على أنه يفعل كل ما يريد ، فوجب أن يكون الفاعل لإيمان المؤمن هو الله تعالى ، وأيضاً لما دل على أنه يفعل كل ما يريد فلو كان يريد الإيمان من الكفار لفعل فيهم الإيمان ، ولكانوا مؤمنين ، ولما لم يكن كذلك دل على أنه تعالى لا يريد الإيمان منهم ، فكانت هذه الآية دالة على مسألة خلق الأعمال ، وعلى مسألة إرادة الكائنات والمعتزلة يقيدون المطلق ويقولون : المراد يفعل كل ما يريد من أفعال نفسه ، وهذا ضعيف لوجوه
أحدها : أنه تقييد للمطلق
والثاني : أنه على هذا التقييد تصير الآية بياناً للواضحات فإنه يصير معنى الآية أنه يفعل ما يفعله
الثالث : أن كل أحد كذلك فلا يكون في وصف الله تعالى بذلك دليلاً على كمال قدرته وعلو مرتبته ، والله أعلم. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 173﴾
لطيفة
قال الثعلبى :
عن الحرث الأعور قال : قام رجل إلى عليّ (رضي الله عنه) فقال : يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر ،
قال : طريق مظلم لا تسلكه.
قال : يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر ،
قال : بحر عميق لا تلجه ،
قال : يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر ،
قال : سرّ الله قد خفي عليك فلا تفشه ،
قال : يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر ،
فقال عليّ : أيُّها السائل إن الله خلقك كما شاء أو كما شئت ؟ .
فقال : كما شاء.
قال : فيبعثك يوم القيامة كما شاء أو كما شئت ؟ .
قال : كما شاء.
قال : أيّها السائل ألك مع الله مشيئة أو فوق الله مشيئة أو دون الله مشيئة ؟
فإن زعمت أن لك دون الله مشيئة فقد اكتفيت عن مشيئة الله ،
وإن زعمت أنّ لك فوق الله مشيئة فقد زعمت أن مشيئتك غالبة على مشيئة الله ، وإن زعمت أن لك مع الله مشيئة فقد ادعيت الشركة ،
ألست تسأل ربّك العافية ؟
قال : بلى.
قال : فمن أي شيء تسأله ،
أمن البلاء الذي ابتلاك به ،
أم من البلاء الذي ابتلاك به غيره ؟ .
قال : من البلاء الذي ابتلاني به.
قال : ألست تقول : لا حول ولا قوّة إلاّ بالله ؟
قال : بلى.
قال : فتعلّم تفسيرها ؟
قال : لا ، علّمني يا أمير المؤمنين مما علمك الله.
قال : تفسيرها : أن العبد لا يقدر على طاعة الله ولا يكون له قوّة على معصية الله في الأمرين جميعاً إلاّ بالله ،
أيّها السائل إن الله عزّ وجلّ (يصح ويداوي ، منه الداء ومنه الدواء) أعقلت عن الله أمره.
قال : نعم.
قال علي (رضي الله عنه) : الآن أسلم أخوكم قوموا فصافحوه.
ثم قال : لو وجدت رجلاً من القدرية لأخذت برقبته فلا أزال أطأ عنقه حتى أكسرها فإنّهم يهود هذه الأمّة ونصاراها ومجوسها.
وقال المزني : سمعت الشافعي يقول :
وما شئتَ كانَ وإن لم أشأ
وما شئتُ إن لم تشأ لم يكن. أ هـ ﴿الكشف والبيان حـ 2 صـ 226﴾
فوائد لغوية
قال أبو حيان :
تضمنت هذه الآية الكريمة من أنواع البلاغة : التقسيم ، في قوله : ﴿ منهم من كلم الله ﴾ بلا واسطة ، ومنهم من كلمه بواسطة ، وهذا التقسيم اقتضاه المعنى ، وفي قوله ﴿ فمنهم من آمن ومنهم من كفر ﴾ وهذا التقسيم ملفوظ به.
و : الاختصاص ، مشاراً إليه ومنصوباً عليه ، و: التكرار ، في لفظ البينات ، وفي ﴿ ولو شاء الله ما اقتتلوا ﴾ على أحد التأويلين.
و : الحذف ، في قوله ﴿ منهم من كلم الله ﴾ أي كفاحاً وفي قوله ﴿ يفعل ما يريد ﴾ يعني من هداية من شاء وضلالة من شاء. أ هـ ﴿البحر المحيط حـ 2 صـ 284﴾
من لطائف الإمام القشيرى فى الآية
قوله جلّ ذكره : ﴿ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّنَاتِ وَاَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القُدُسِ ﴾.
جمعتهم الرسالة ولكن تباينوا في خصائص التفضيل ، لكل واحدٍ منهم أنوار ، ولأنوارهم مطارح ، فمنهم من هو أعلى نورا ، وأتم من الرفعة وفوراً. فلم تكن فضائلهم استحقاقهم على أفعالهم وأحوالهم ، بل حُكْمٌ بالحسنى أدركهم ، وعاقبة بالجميل تداركتهم.