كلام نفيس للعلامة الشنقيطى فى الآية
قال رحمه الله :
قوله تعالى : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الموت فَقَالَ لَهُمُ الله مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾.
المقصود من هذه الآية الكريمة ، تشجيع المؤمنين على القتال بإعلامهم بأن الفرار من الموت لا ينجي ، فإذا علم الإنسان أن فراره من الموت أو القتل لا ينجيه ، هانت عليه مبارزة الأقران. والتقدم في الميدان. وقد أشار تعالى أن هذا هو مراده بالآية حيث أتبعها بقوله : ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله﴾ [ البقرة : 190 ] الآية وصرح بما أشار إليه هنا في قوله : ﴿قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الفرار إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ الموت أَوِ القتل وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [ الأحزاب : 16 ] وهذه أعظم آية في التشجيع على القتال. لأنها تبين أن الفرار من القتل لا ينجي منه ولو فرض نجاته منه فهو ميت عن قريب ، كما قال قعنب ابن أم صاحب :
إذا أنت لاقيت في نجدة... فلا تتهيبك أن تقدما
فإن المنية من يخشها... فسوف تصادفه أينما
وإن تتخطاك أسبابها... فإن قصاراك أن تهرما
وقال زهير :
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب... تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم
وقال أبو الطيب :
وإذا لم يكن من الموت بلد... فمن العجز أن تكون جبانا
ولقد أجاد من قال :
في الجبن عار وفي الإقدام مكرمة... والمرء في الجبن لا ينجو من القدر
وهذا هو المراد بالآيات المذكورة ، ويؤخذ من هذه الآية عدم جواز الفرار من الطاعون إذا وقع بأرض وأنت فيها ، وقد ثبت عن النَّبي صلى الله عليه وسلم النهي عن الفرار من الطاعون وعن القدوم على الأرض التي هو فيها إذا كنت خارجاً عنها.
تنبيه : لم تأت لفظة ألم تر ونحوها في القرآن مما تقدمه لفظ ألم ، معداة إلا بالحرف الذي هو إلى. وقد ظن بعض العلماء أن ذلك لازم والتحقيق عدم لزومه وجواز تعديته بنفسه دون حرف الجر ، كما يشهد له قول امرئ القيس :
ألم ترياني كلما جئت طارقاً... وجدت بها طيباً وإن لم تطيب. أ هـ ﴿أضواء البيان حـ 1 صـ 179﴾