قوله تعالى : ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آَتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾
المناسبة
قال البقاعى :
ولما بين رضاع الوالدات وقدمه دليلاً على أولويته أتبعه ما يدل على جواز غيره فقال : ﴿وإن أردتم﴾ أي أيّها الرجال ﴿أن تسترضعوا﴾ أي أن تطلبوا من يرضع ﴿أولادكم﴾ من غير الأمهات ﴿فلا جناح﴾ أي ميل بإثم ﴿عليكم إذا سلمتم﴾ أي إلى المراضع ﴿ما آتيتم﴾ أي ما جعلتم لهن من العطاء ﴿بالمعروف﴾ موفراً طيبة به أنفسكم من غير تشاحح ولا تعاسر لأن ذلك أقطع لمعاذير لمراضع فهو أجدر بالاجتهاد في النصيحة وعدم التفريط في حق الصغير.
ولما كان التقدير : فافعلوا جميع ما أمرتكم به وانتهوا عن جميع ما نهيتكم عنه فقد جمعت لكم مصالح الدارين في هذا الكتاب الذي هو هدى للمتقين ، عطف عليه قوله : ﴿واتقوا الله﴾ أي الذي له القدرة الشاملة والعلم الكامل ثم خوفهم سطواته بقوله منبهاً على عظم هذه الأحكام ﴿واعلموا﴾ وعلق الأمر بالاسم الأعظم الجامع لجميع الأسماء الحسنى فقال : ﴿أن الله﴾ أي المحيط بصفات الكمال تعظيماً للمقام ولذلك أكد علمه سبحانه وتعالى هنا على نحو ما مضى في ﴿وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم﴾ [ البقرة : 215 ] بتقديم قوله للإعلام بمزيد الاهتمام ﴿بما تعملون﴾ أي من سر وعلن.
ولما كانت هذه الأحكام أدق مما في الآية التي بعدها وكثير منها منوط بأفعال القلوب ختمها بما يدل على البصر والعلم فقال : ﴿بصير﴾ أي بالغ العلم به فاعملوا بحسب ذلك. أ هـ ﴿نظم الدرر حـ 1 صـ 441 ـ 442﴾
قال الفخر :
اعلم أنه تعالى لما بين حكم الأم وأنها أحق بالرضاع ، بين أنه يجوز العدول في هذا الباب عن الأم إلى غيرها ثم في الآية مسائل :