وقد تهيأ السامع لتلقي هذا الحكم من قوله : ﴿الطلاق مرتان﴾ [ البقرة : 229 ] إذ علم أن ذلك بيان لآخر عدد في الرجعي وأن ما بعده بتات ، فذكر قوله : ﴿فإن طلقها﴾ زيادة في البيان ، وتمهيد لقوله : ﴿فلا تحل له من بعد﴾ إلخ فالفاء إما عاطفة لجملة ﴿فإن طلقها﴾ على جملة ﴿فإمساك﴾ [ البقرة : 229 ] باعتبار ما فيها من قوله ﴿فإمساك﴾ ، إن كان المراد من الإمساك المراجعة ومن التسريح عدمها ، أي فإن أمسك المطلق أي راجع ثم طلقها ، فلا تحل له من بعد ، وهذا هو الظاهر ، وإما فصيحة لبيان قوله : ﴿أو تسريح بإحسان﴾ [ البقرة : 229 ] ، إن كان المراد من التسريح إحداث الطلاق ، أي فإن ازداد بعد المراجعة فسرح فلا تحل له من بعد ، وإعادة هذا على هذا الوجه ليرتب عليه تحريم المراجعة إلا بعد زوج ، تصريحاً بما فهم من قوله : ﴿الطلاق مرتان﴾ ويكون التعبير بالطلاق هنا دون التسريح للبيان وللتفنن على الوجهين المتقدمين ، ولا يعوزك توزيعه عليهما ، والضمير المستتر راجع للمطلق المستفاد من قوله : ﴿الطلاق مرتان﴾ والضمير المنصوب راجع للمطلقة المستفادة من الطلاق أيضاً ، كما تقدم في قوله : ﴿إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله﴾ [ البقرة : 229 ].
والآية بيان لنهاية حق المراجعة صراحة ، وهي إما إبطال لما كانوا عليه في الجاهلية وتشريع إسلامي جديد ، وإما نسخ لما تقرر أول الإسلام إذا صح ما رواه أبو داود في "سننه" ، في باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث ، عن ابن عباس "أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثاً فنسخ ذلك ونزل ﴿الطلاق مرتان﴾.