قلت : ما ذهب إليه الجمهور ، وما روي عن مالك أنه ينوي في هذه الألفاظ ويحكم عليه بذلك هو الصحيح ؛ لما ذكرناه من الدليل ، وللحديث الصحيح الذي خرّجه أبو داود وابن ماجه والدارقطنيّ وغيرهم عن يزيد بن ركانة : أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته سهيمة البتة فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ؛ فقال : "آلله ما أردت إلاَّ واحدة" ؟ فقال ركانة : والله ما أردت إلاَّ واحدة ؛ فرّدها إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ قال ابن ماجه : سمعت أبا الحسن الطنافِسيّ يقول : ما أشرف هذا الحديث! وقال مالك في الرجل يقول لامرأته : أنت عليّ كالميتة والدّم ولحم الخنزير : أراها البتّة وإن لم تكن له نية ، فلا تحِلّ إلاَّ بعد زوج. وفي قول الشافعيّ : إن أراد طلاقاً فهو طلاق ، وما أراد من عدد الطلاق ؛ وإن لم يُرد طلاقاً فليس بشيء بعد أن يحلف. وقال أبو عمر : أصل هذا الباب في كل كناية عن الطلاق ، ما روي " عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال للتي تزوّجها حين قالت : أعوذ بالله منك : "قد عذتِ بمعاذٍ الحقي بأهلك" " فكان ذلك طلاقاً. وقال كعب بن مالك لامرأته حين أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم باعتزالها : الحقي بأهلك فلم يكن ذلك طلاقاً ؛ فدل على أن هذه اللفظة مفتقرة إلى النية ، وأنها لا يقضى فيها إلاَّ بما ينوِي اللاّفِظ بها ، وكذلك سائر الكنايات المحتملات للفراق وغيره. والله أعلم. وأما الألفاظ التي ليست من ألفاظ الطلاق ولا يكنّى بها عن الفراق ، فأكثر العلماء لا يُوقعون بشيء منها طلاقاً وإن قصده القائل.
وقال مالك : كل من أراد الطلاق بأيّ لفظ كان لزمه الطلاقُ ، حتى بقوله : كلي واشربي وقومي واقعدي ؛ ولم يتابع مالكاً على ذلك إلاَّ أصحابه. أ هـ ﴿تفسير القرطبى حـ 3 صـ 134 ـ 136﴾
( فروع ) : تتعلق بأحكام الطلاق :