الجهاد على قسمين : جهاد أصغر وهو جهاد السيف ، وجهاد أكبر وهو جهاد النفس ، فيجاهدها أولاً في القيام بجميع المأمورات ، وترك جميع المنهيات ، ثم يجاهدها ثانياً في ترك العوائد والشهوات ، ومجانبة الرخص والتأويلات ، ثم يجاهدها ثالثاً في ترك التدبير والاختيار ، والسكون تحت مجاري الأقدار ، حتى لا تختار إلا ما اختار الحق تعالى لها ، ولا تشتهي إلا ما يقضي الله عليها ، فإن النفس جاهلة بالعواقب ، فعسى أن تكره شيئاً وهو خير لها ، وعسى أن تحب شيئاً وهو شر لها.
فعسى أن تأتيها المسار من حيث تعتقد المضارّ ، وعسى أن تأتيها المضار من حيث ترجو المسار ، وعسى أن تنفع على أيدي الأعداء ، وعسى أن تضر على أيدي الأحباء ، وعسى أن تكره الموت وهو خير لها ، وعسى أن تحب الحياة وهي شر لها ، فالواجب تسليم الأمور إلى خالقها ، الذي هو عالم بمصالحها ، ﴿والله يعلم وأنتم لا تعلمون ﴾. أ هـ ﴿البحر المديد حـ 1 صـ 174﴾
من فوائد ابن عرفة فى الآية
قوله تعالى : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القتال...﴾.
قال ابن عرفة : لفظ الكتب دليل على تأكيد وجوب القتال. والكتب إما حكم الله أو في اللوح المحفوظ أو في القرآن. والجهاد هنا ( قيل فرض عين ) وقيل فرض كفاية.
قال ابن عرفة : الظاهر أنه فرض ( عين ) لأنا إذا شككنا في شيء فيحمل على الأكثر. وفرض العين في التكاليف أكثر من فرض الكفاية.
( قيل له : في غير هذا ، وأما هنا فلا ؟ فقال : هذا محل النزاع ، وكان بعضهم يقول : إنه فرض عين في كفاية ) فواجب على ( جميع ) الناس حضور القتال. ويكفي فيه قتال البعض ، والحضور فرض عين ( والقتال فرض ) كفاية كالصلاة في الدار المغصوبة فإنّها فرض في حرام.
قال ابن عرفة : وإذا قلنا : إنّ خطاب المواجهة يعم ولا يخص ، فنقول : الأمر للحاضر والغائب وغلب فيه المخاطب. والأمر للحاضرين ويتناول الغائب ( بالقياس ) عليه من باب ( لا فارق ).