الثاني : أن يكون المراد كراهتهم للقتال قبل أن يفرض لما فيه من الخوف ، ولكثرة الأعداء فبين الله تعالى أن الذي تكرهونه من القتال خير لكم من تركه لئلا تكرهونه بعد أن فرض عليكم. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 24﴾
وقال عِكرمة في هذه الآية : إنهم كَرِهوه ثم أحبّوه وقالوا : سمعنا وأطعنا ؛ وهذا لأن امتثال الأمر يتضمن مشقة ، لكن إذا عُرف الثواب هان في جنبه مُقاساة المشقات. أ هـ ﴿تفسير القرطبى حـ 3 صـ 38 ـ 39﴾
قال القرطبى :
ومثاله في الدنيا إزالة ما يؤلم الإنسان ويخاف منه كقطع عضو وقلع ضرس وفصدٍ وحِجامةٍ ابتغاء العافية ودوام الصحة ، ولا نعيم أفضل من الحياة الدائمة في دار الخلد والكرامة في مقعد صدقٍ. أ هـ ﴿تفسير القرطبى حـ 3 صـ 38﴾
فصل فى معنى الكره
قال ابن عاشور :
والكره بضم الكاف : الكراهية ونفرة الطبع من الشيء ومثله الكَره بالفتح على الأصح ، وقيل : الكُره بالضم المشقة ونفرة الطبع ، وبالفتح هو الإكراه وما يأتي على الإنسان من جهة غيره من الجبر على فعل مَّا بأذى أو مشقة ، وحيث قُرىء بالوجهين هنا وفي قوله تعالى : ﴿حملته أمه كرها ووضعته كرها﴾ {الأحقاف : 15 ] ولم يكن هنا ولا هنا لك معنى للإكراه تعين أن يكون بمعنى الكراهية وإباية الطبع كما قال الحماسي العُقَيلي
: ... بكُره سراتنا يا آل عمرو
نُغاديكم بمُرْهَفَة النِّصَال...
رووه بضم الكاف وبفتحها.
على أن قوله تعالى بعد ذلك ﴿وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم﴾ الوارد مورد التذييل : دليل على أن ما قبله مصدر بمعنى الكراهية ليكون جزئياً من جزئيات أن تكرهوا شيئاً.
وقد تحمل صاحب "الكشاف" لحمل المفتوح في هذه الآية والآية الأخرى على المجاز ، وقرره الطيبي والتفتازاني بما فيه تكلف ، وإذ هو مصدر فالإخبار به مبالغة في تمكن الوصف من المخبر عنه كقول الخنساء
: ... فإنما هي إقْبَالٌ وإدْبَار
أي تُقبل وتُدبر.