والقول الثاني : أن هذه الآية نزلت في أناس من أهل اليمن كانوا يحجون بغير زاد ويقولون : إنا متوكلون ، ثم كانوا يسألون الناس وربما ظلموا الناس وغصبوهم ، فأمرهم الله تعالى أن يتزودوا فقال : وتزودوا ما تبلغون به فإن خير الزاد ما تكفون به وجوهكم عن السؤال وأنفسكم عن الظلم وعن ابن زيد : أن قبائل من العرب كانوا يحرمون الزاد في الحج والعمرة فنزلت.
وروى محمد ابن جرير الطبري عن ابن عمر قال : كانوا إذا أحرموا ومعهم أزودة رموا بها فنهوا عن ذلك بهذه الآية قال القاضي : وهذا بعيد لأن قوله : ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزاد التقوى﴾ راجع إلى قوله : ﴿وَتَزَوَّدُواْ﴾ فكان تقديره : وتزودوا من التقوى والتقوى في عرف الشرع والقرآن عبارة عن فعل الواجبات وترك المحظورات قال : فإن أردنا تصحيح هذا القول ففيه وجهان أحدهما : أن القادر على أن يستصحب الزاد في السفر إذا لم يستصحبه عصى الله في ذلك ، فعلى هذا الطريق صح دخوله تحت الآية والثاني : أن يكون في الكلام حذف ويكون المراد : وتزودوا لعاجل سفركم وللآجل فإن خير الزاد التقوى. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 143 ـ 144﴾
قال التسترى :
قوله : ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزاد التقوى﴾ [197] قال : هو الرفيق إلى ذكر الله تعالى خوفاً ، إذ لا زاد للمحب سوى محبوبه ، وللعارف سوى معروفه..
أ هـ ﴿تفسير التسترى ـ صـ 42﴾
وقال القرطبى :
﴿ وَتَزَوَّدُواْ﴾ أَمْرٌ باتخاذ الزاد. قال ابن عمر وعكرمة ومجاهد وقتادة وابن زيد : نزلت الآية في طائفة من العرب كانت تجيء إلى الحج بلا زاد ، ويقول بعضهم : كيف نحجّ بيت الله ولا يطعمنا ؛ فكانوا يبقون عالةً على الناس ، فنُهوا عن ذلك ، وأمِروا بالزاد. وقال عبد اللَّه بن الزبير : كان الناس يتّكل بعضهم على بعض بالزاد ؛ فأمروا بالزاد. " وكان للنبيّ صلى الله عليه وسلم في مسيره راحلةٌ عليها زاد ، وقدم عليه ثلثمائة رجل من مُزَينة ، فلما أرادوا أن ينصرفوا قال : "يا عمر زوّد القوم" " وقال بعض الناس : "تزوّدوا" الرفيق الصالح. وقال ابن عطية : وهذا تخصيص ضعيف ، والأولى في معنى الآية : وتزوّدوا لمعادكم من الأعمال الصالحة.
قلت : القول الأوّل أصح ، فإن المراد الزاد المتَخَذ في سفر الحج المأكول حقيقة كما ذكرنا ؛ كما روى البخاريّ عن ابن عباس قال : كان أهل اليمن يحجّون ولا يتزوّدون ويقولون : نحن المتوكلون ؛ فإذا قدموا مكة سألوا الناس ، فأنزل الله تعالى : ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزاد التقوى﴾ وهذا نص فيما ذكرنا ، وعليه أكثر المفسرين.(1) أ هـ ﴿تفسير القرطبى حـ 2 صـ 411﴾
(1) ما ذكره الإمام الفخر أعم وأشمل وأنفس ويتفق مع الغرض الأسمى للحج ، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. والله أعلم.