من الناس من عاب الاستدلال والبحث والنظر والجدال واحتج بوجوه أحدها : أنه تعالى قال : ﴿وَلاَ جِدَالَ فِي الحج﴾ وهذا يقتضي نفي جميع أنواع الجدال ، ولو كان الجدال في الدين طاعة وسبيلاً إلى معرفة الله تعالى لما نهى عنه في الحج ، بل على ذلك التقدير كان الاشتغال بالجدال في الحج ضم طاعة إلى طاعة فكان أولى بالترغيب فيه
وثانيها : قوله تعالى : ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف : 58] عابهم بكونهم من أهل الجدل ، وذلك يدل على أن الجدل مذموم ،
وثالثها : قوله : ﴿وَلاَ تنازعوا فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال : 46] نهى عن المنازعة.
وأما جمهور المتكلمين فإنهم قالوا : الجدال في الدين طاعة عظيمة ، واحتجوا عليه بقوله تعالى : ﴿ادع إلى سَبِيلِ رَبّكَ بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هِىَ أَحْسَنُ﴾ [النحل : 125] وبقوله تعالى حكاية عن الكفار إنهم قالوا لنوح عليه السلام : ﴿يانوح قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ [هود : 32] ومعلوم أنه ما كان ذلك الجدال إلا لتقرير أصول الدين.
إذا ثبت هذا فنقول : لا بد من التوفيق بين هذه النصوص ، فنحمل الجدل المذموم على الجدل في تقرير الباطل ، وطلب المال والجاه ، والجدل الممدوح على الجدل في تقرير الحق ودعوة الخلق إلى سبيل الله ، والذب عن دين الله تعالى. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 142﴾
وقال ابن عاشور :