وإن كان السبب خفيا ، كمن جحد دين غيره ، أو خانه في وديعة ، أو سرق منه ونحو ذلك ، فإنه لا يجوز له أن يأخذ من ماله مقابلة له ، جمعا بين الأدلة ، ولهذا قال تعالى ، تأكيدا وتقوية لما تقدم : ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ هذا تفسير لصفة المقاصة ، وأنها هي المماثلة في مقابلة المعتدي.
ولما كانت النفوس - في الغالب - لا تقف على حدها إذا رخص لها في المعاقبة لطلبها التشفي ، أمر تعالى بلزوم تقواه ، التي هي الوقوف عند حدوده ، وعدم تجاوزها ، وأخبر تعالى أنه ﴿مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ أي : بالعون ، والنصر ، والتأييد ، والتوفيق.
ومن كان الله معه ، حصل له السعادة الأبدية ، ومن لم يلزم التقوى تخلى عنه وليه ، وخذله ، فوكله إلى نفسه فصار هلاكه أقرب إليه من حبل الوريد. أ هـ ﴿تفسير السعدى صـ 89﴾
من لطائف الإمام القشيرى فى الآية
إذا تقابل حقان كلاهما لله فَسَلِّم الوقت بحكم الوقت ، ودَلْ مع إشارات الوقت ، وإياك أن ترجح أحدهما على الآخر بمالَكَ من حظ - وإنْ قَلَّ - فتُحَجَب عن شهود الحق ، وتَعْمَى بصيرةُ قلبك. وكلُّ ما كان إلى خلاف هواكَ أقرب ، وعن استجلابِكَ وسكونكَ إليه أبعد - كان ذلك في نفسه أصوبَ.
﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ : الذين اتقوا إيثار هواهم على ما فيه رضاه ، فإذا قاموا لله - فيما يأتون - لا لَهُم فإن الله تعالى بالنصرة معهم ، قال تعالى : ﴿إِن تَنصُرُوا اللهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد : 7]. أ هـ ﴿لطائف الإشارات حـ 1 صـ 162﴾
قوله تعالى : ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195)﴾
مناسبة الآية لما قبلها
قال البقاعى :