ورحم الله الإمام جمال الدين القاسمى فقد قال فى تفسيره ﴿محاسن التأويل حـ 3 صـ 336 ـ 367﴾
وقول بعض المفسرين فى هذه القصة: إن النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان عزم على طلاق سودة ـ باطل وسوء فهم من القصة. إذ لم ير عزمه ـ صلى الله عليه وسلم ـ على ذلك. لا فى الصحاح ولا فى السنن ولا فى المسانيد. غاية ما روى فى السنن؛ أن سودة خسيت الفراق لكبرها. وتوهمته. وجلى أن للنساء فى باب الغيرة أوهاما منوعة. فتقدمت للنبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقبول ليلتها لعائشة. فقبل منها. وما رواه ابن كثير عن بعض المعاجم من كونه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعث إليها بطلاقها. ثم ناشدته فراجعها ـ فهو (زيادة عن إرساله، كما قاله) فيه نكارة لا تخفى. انتهى كلام القاسمى رحمه الله تعالى.
ومما يؤكد استبعادنا لهذه الرواية أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ خيره رب العالمين فى القسم لأزواجه بقوله تعالى ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إلَيْك مَنْ تَشَاءُ﴾ ومع ذلك لم يستخدم هذا الرخصة حتى فى مرض موته ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلا بعد طلب أزواجه الطاهرات راحته ـ صلى الله عليه وسلم ـ فى بيت عائشة رضى الله عنها وعنهن جميعا.
(28/ 108)
وهذا فصل نفيس للعلامة القاضى أبى بكر ابن العربى يجلى هذا الأمر
قال عليه الرحمة:
قَوْلُهُ: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إلَيْك مَنْ تَشَاءُ﴾ يَعْنِي تُؤَخِّرُ وَتَضُمُّ، وَيُقَالُ: أَرْجَأْته إذَا أَخَّرْته، وَآوَيْت فُلَانًا إذَا ضَمَمْته وَجَعَلْته فِي ذُرَاك وَفِي جُمْلَتِك، فَقِيلَ فِيهِ أَقْوَالٌ سِتَّةٌ: الْأَوَّلُ: تُطَلِّقُ مَنْ شِئْت، وَتُمْسِكُ مَنْ شِئْت؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
الثَّانِي: تَتْرُكُ مَنْ شِئْت، وَتَنْكِحُ مَنْ شِئْت؛ قَالَهُ قَتَادَةُ.