فالجواب: أن هذا المفهوم قال به ابن الماجشون، فمنع صلاة الخوف في الحضر، واستدل بعضهم أيضاً لمنعها فيه بأن النَّبي صلى الله عليه وسلم لم يصلها يوم الخندق، وفات عليه العصران وقضاهما بعد المغرب، وبأنه صلى الله عليه وسلم لم يصلها إلا في سفر، وجمهور العلماء على أنها تصلى في الحضر أيضاً، وأجابوا بأن الشرط لا مفهوم مخالفة له أيضاً. لجريه على الغالب كما تقدم، أو لأنه نزل في حادثة واقعة مبيناً حكمها.
كما روي عن مجاهد قال: كان النَّبي صلى الله عليه وسلم بعسفان والمشركون بضجنان، فتوافقوا، فصلى النَّبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاة تامة بركوعها وسجودها، فهمّ بهم المشركون أن يغيروا على أمتعتهم وأثقالهم فنزلت، وهذه الحادثة وقعت وهم مسافرون ضاربون في الأرض، وقد تقرر في الأصول أن من موانع اعتبار مفهوم المخالفة كون المنطوق نازلاً على حادثة واقعة، ولذا لم يعتبر مفهوم المخالفة في قوله:
﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾ [النور: 33] ولا في قوله: ﴿لاَّ يَتَّخِذِ المؤمنون الكافرين أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ المؤمنين﴾ [آل عمران: 28] لأن كلاً منهما نزل على حادثة واقعة: فالأول: نزل في إكراه ابن أبي جواريه على الزنا، وهن يردن التحصن من ذلك.
والثاني: نزل في قوم من الأنصار والوا اليهود من دون المؤمنين، فنزل القرآن في كل منهما ناهياً عن الصورة الواقعة من غير إرادة التخصيص بها، وأشار إليه في المراقي بقوله في تعداد موانع اعتبار مفهوم المخالفة:
أو امتنان أو وفاق الواقع ... والجهل والتأكيد عند السامع
(27/ 66)