وفي نظم الآية إيجاز بديع فإنّه لمّا قال: "فلتقم طائفة منهم معك" علم أنّ ثمة طائفة أخرى، فالضمير في قوله: ﴿وليأخذوا أسلحتهم﴾ للطائفة باعتبار أفرادها، وكذلك ضمير قوله: ﴿فإذا سجدوا﴾ للطائفة التي مع النبي، لأن المعية معية الصلاة، وقد قال: ﴿فإذا سجدو﴾.
وضمير قوله: ﴿فليكونوا﴾ للطائفة الأخرى المفهومة من المقابلة، لظهور أنّ الجواب وهو ﴿فليكونوا من ورائكم﴾ متعيّن لفعل الطائفة المواجهة العدوّ.
وقوله: ﴿ولتأت طائفة أخرى﴾ هذه هي المقابلة لقوله: ﴿فلتقم طائفة منهم معك﴾.
وقد أجملت الآية ما تصنعه كلّ طائفة في بقية الصلاة.
ولكنّها أشارت إلى أنّ صلاة النبي صلى الله عليه وسلم واحدة لأنّه قال: ﴿فليصلوا معك﴾.
فجعلهم تابعين لصلاته، وذلك مؤذن بأنّ صلاته واحدة، ولو كان يصلّي بكل طائفة صلاة مستقلّة لقال تعالى فلتصلّ بهم.
وبهذا يبطل قول الحسن البصري: بأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صلّى ركعتين بكلّ طائفة، لأنّه يصير متمّا للصلاة غير مقصّر، أو يكون صلّى بإحدى الطائفتين الصلاة المفروضة وبالطائفة الثانية صلاة: نافلة له، فريضة للمؤمنين، إلاّ أن يلتزم الحسن ذلك.
ويرى جواز ائتمام المفترض بالمتنفّل.
ويظهر أنّ ذلك الائتمام لا يصحّ، وإن لم يكن في السنّة دليل على بطلانه.
وذهب جمهور العلماء إلى أنّ الإمام يصلّي بكلّ طائفة ركعة، وإنّما اختلفوا في كيفية تقسيم الصلاة: بالنسبة للمأمومين.
(27/ 38)