﴿فَأُوْلَئِكَ﴾ أي المستضعفون ﴿عَسَى الله أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ فيه إيذان بأن ترك الهجرة أمر خطير حتى أن المضطر الذي تحقق عدم وجوبها عليه ينبغي أن يعد تركها ذنباً، ولا يأمن، ويترصد الفرصة ويعلق قلبه بها. أ هـ ﴿روح المعانى حـ 5 صـ 127﴾
قوله تعالى ﴿وَكَانَ الله عَفُوّاً غَفُوراً﴾
قال أبو حيان:
﴿وكان الله عفواً غفوراً﴾ تأكيد في وقع عفوه عن هؤلاء، وتنبيه على أنّ هذا المترجي هو واقع، لأنه تعالى لم يزل متصفاً بالعفو والمغفرة. أ هـ ﴿البحر المحيط حـ 3 صـ 349 ـ 350﴾
(26/ 345)
فصل
قال الفخر:
ذكر الزجاج في ﴿كَانَ﴾ ثلاثة أوجه: الأول: كان قبل أن خلق الخلق موصوفاً بهذه الصفة.
الثاني: أنه قال ﴿كَانَ﴾ مع أن جميع العباد بهذه الصفة والمقصود بيان أن هذه عادة الله تعالى أجراها في حق خلقه.
الثالث: لو قال: إنه تعالى عفو غفور كان هذا إخباراً عن كونه كذلك فقط، ولما قال إنه كان كذلك كان هذا إخباراً وقع مخبره على وفقه فكان ذلك أدل على كونه صدقاً وحقاً ومبرأ عن الخلف والكذب.
واحتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى قد يعفو عن الذنب قبل التوبة فإنه لو لم يحصل ههنا شيء من الذنب لامتنع حصول العفو والمغفرة فيه، فلما أخبر بالعفو والمغفرة دلّ على حصول الذنب، ثم إنه تعالى وعد بالعفو مطلقاً غير مقيد بحال التوبة فيدل على ما ذكرناه. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ 11 صـ 12﴾
فصل
قال ابن عاشور:
وقد اتّفق العلماء على أنّ حكم هذه الآية انقضى يوم فتح مكة لأنّ الهجرة كانت واجبةً لمفارقة أهل الشرك وأعداء الدين، وللتمكّن من عبادة الله دون حائل يحول عن ذلك، فلمّا صارت مكة دار إسلام ساوت غيرها، ويؤيّده حديث: " لا هجرة بعد الفتح ولكنْ جِهَادٌ ونيَّة " فكان المؤمنون يبقون في أوطانهم إلاّ المهاجرين يحرم عليهم الرجوع إلى مكة.