وَقَدْ قُرِئَ " غَيْرُ " بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ، فَالرَّفْعُ عَلَى أَنَّهَا نَعْتٌ لِلْقَاعِدَيْنِ، وَالنَّصْبُ عَلَى الْحَالِ؛ وَيُقَالُ إنَّ الِاخْتِيَارَ فِيهَا الرَّفْعُ، لِأَنَّ الصِّفَةَ أُغْلَبُ عَلَى " غَيْرِ " مِنْ مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ وَإِنْ كَانَ كِلَاهُمَا جَائِزًا؛ وَالْفَرْقُ بَيْنَ " غَيْرِ " إذَا كَانَتْ صِفَةً وَبَيْنَهَا إذَا كَانَتْ اسْتِثْنَاءً كَأَنَّهَا فِي الِاسْتِثْنَاءِ تُوجِبُ إخْرَاجَ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ، نَحْوِ " جَاءَنِي الْقَوْمُ غَيْرُ زَيْدٍ " وَلَيْسَتْ كَذَلِكَ فِي الصِّفَةِ؛ لِأَنَّك تَقُولُ: " جَاءَنِي رَجُلٌ غَيْرُ زَيْدٍ " و " غَيْرُ " هَهُنَا صِفَةٌ وَفِي الْأَوَّلِ اسْتِثْنَاءٌ، وَإِنْ كَانَتْ فِي الْحَالَيْنِ مُخَصَّصَةٌ عَلَى حَدِّ النَّفْيِ.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ الْمُجَاهِدِينَ وَالْقَاعِدِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ.
(26/ 314)
وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ فَرْضَ الْجِهَادِ عَلَى الْكِفَايَةِ وَلَيْسَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ بِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّهُ وَعَدَ الْقَاعِدِينَ الْحُسْنَى كَمَا وَعَدَ الْمُجَاهِدِينَ وَإِنْ كَانَ ثَوَابُ الْمُجَاهِدِينَ أَشْرَفَ وَأَجْزَلَ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْقُعُودُ عَنْ الْجِهَادِ مُبَاحًا إذَا قَامَتْ بِهِ طَائِفَةٌ لَمَا وَعَدَ الْقَاعِدِينَ الثَّوَابَ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَنَّ فَرْضَ الْجِهَادِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ فِي نَفْسِهِ.