وعلى ذلك النمط جاء أيضاً قوله تعالى: ﴿فَضَّلَ الله المجاهدين﴾ في سبيله ﴿بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ عَلَى القاعدين﴾ من المؤمنين غير أولي الضرر ﴿دَرَجَةً﴾ لا يقادر قدرها ولا يبلغ كنهها، وهذا تصريح بما أفهمه نفي المساواة فإنه يستلزم التفضيل إلى أنه لم يكتف بما فهم اعتناءاً به وليتمكن أشدّ تمكن، ولكون الجملة مبينة وموضحة لما تقدم لم تعطف عليه، وجوز أن تكون جواب سؤال ينساقه إليه المقال كأنه قيل: كيف وقع ذلك التفضيل؟ فقيل: فضل الله الخ، واللام كما أشرنا إليه في الجمعين للعهد ولا يأباه كون مدخولها وصفاً كما قيل إذ كثيراً ما ترد أل فيه للتعريف كما صرح به النحاة، و (درجة) منصوب على المصدر لتضمنها التفضيل لأنها المنزلة والمرتبة وهي تكون في الترقي والفضل، فوقعت موقع المصدر كأنه قيل: فضلهم تفضيلة، وذلك مثل قولهم: ضربته سوطاً أي ضربة، وقيل: على الحال أي ذوي درجة، وقيل: على التمييز، وقيل: على تقدير حذف الجار أي بدرجة، وقيل: هو واقع موقع الظرف أي في درجة ومنزلة، وقوله تعالى: ﴿وَكُلاًّ﴾ مفعول أول لما يعقبه قدم عليه لإفادة القصر تأكيداً للوعد، وتنوينه عوض عن المضاف إليه أي كل واحد من الفريقين المجاهدين والقاعدين ﴿وَعَدَ الله﴾ المثوبة ﴿الحسنى﴾ وهي الجنة كما قال قتادة وغيره لا أحدهما فقط، وقرأ الحسن وكل بالرفع على الابتداء، فالفعول الأول وهو العائد في جملة الخبر محذوف أي وعده، وكأن التزام النصب في المتواترة لأن قبله جملة فعلية وبذلك خالف ما في الحديد و (الحسنى) على القراءتين هو المفعول الثاني، والجملة اعتراض جيء به تداركاً لما عسى يوهمه تفضيل أحد الفريقين على الآخر من حرمان المفضول.
(26/ 295)