غير ذلك وأما قولُه تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِى الذين يَعْلَمُونَ والذين لاَ يَعْلَمُونَ﴾ فلعل تقديمَ الفاضلِ فيه لأن صلتَه ملكةٌ لصلة المفضولِ، وقولُه عز وجل: ﴿فَضَّلَ الله المجاهدين بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ عَلَى القاعدين دَرَجَةً﴾ استئنافٌ مَسوقٌ لتفصيل ما بين الفريقين من التفاضل المفهومِ من ذكر عدمِ استوائِهما إجمالاً ببيان كيفيتِه وكمِّيتِه مبنيٌّ على سؤال ينساق إليه المقالُ كأنه قيل: كيف وقع ذلك؟ فقيل: فضّل الله الخ، وأما تقديرُ ما لهم لا يستوون فإنما يليق بجعل الاستئنافِ تعليلاً لعدم الاستواءِ مَسوقاً لإثباته، وفيه عكسٌ ظاهرٌ فإن الذي يحِقُّ أن يكونَ مقصوداً بالذات إنما هو بيانُ تفاضُلِ الفريقين على درجات متفاوتة، وأما عدمُ استوائِهما فقُصارى أمرِه أن يكون توطئةً لذكره، ولامُ المجاهدين والقاعدين للعهد، فقيدُ كونِ الجهادِ في سبيل الله معتبرٌ في الأول كما أن قيدَ عدمِ الضررِ معتبرٌ في الثاني، و ﴿دَرَجَةً﴾ نُصب على المصدرية لوقوعها موقعَ المرَّةِ من التفضيل أي فضل الله تفضيلةً أو على نزع الخافضِ أي بدرجة، وقيل: على التمييز، وقيل: على الحالية من المجاهدين أي ذوي درجةٍ وتنوينُها للتفخيم، وقوله تعالى: ﴿وَكُلاًّ﴾ مفعولٌ أولٌ لما يعقُبه قُدّم عليه لإفادة القصرِ تأكيداً للوعد أي كلَّ واحدٍ من المجاهدين والقاعدين ﴿وَعَدَ الله الحسنى﴾ أي المثوبةَ الحسنى وهي الجنةُ لا أحدَهما فقط كما في قوله تعالى: ﴿وأرسلناك لِلنَّاسِ رَسُولاً﴾ على أن اللامَ متعلقةٌ برسولاً والجملةُ اعتراضٌ جيء به تداركاً لما عسى أن يُوهِمَهُ تفضيلُ أحدِ الفريقين على الآخَر من حرمانِ المفضولِ، وقولُه عز وجل: ﴿وَفَضَّلَ الله المجاهدين عَلَى القاعدين﴾ عطفٌ على قوله تعالى: ﴿فَضَّلَ الله﴾ الخ، واللامُ في الفريقين مُغْنيةٌ لهما عن ذكر القيودِ التي تُركت على سبيل التدريجِ
(26/ 288)