ولما شرك بين المجاهدين والقاعدين بقوله: ﴿وكلاً﴾ أي من الصنفين ﴿وعد الله﴾ أي المحيط بالجلال والإكرام أجراً على إيمانهم ﴿الحسنى﴾ بين أن القاعد المشارك إنما هو الذي يه قوة الجهاد القريبة من الفعل، وهو التمكن من تنفيذ الأمر بسبب هجرته لأرض الحرب وكونه بين أهل الإيمان، وأما القاعد عن الهجرة مع التمكن فليس بمشارك في ذلك، بل هو ظالم لنفسه فإنه ليس متمكناً من تنفيذ الأوامر فلا هو مجاهد بالفعل ولا بالقوة القريبة منه، فقال: ﴿وفضل الله﴾ أي الملك الذي لا كفوء له فلا يجبر عليه ﴿المجاهدين﴾ أي بالفعل مطلقاً بالنفس أو المال ﴿على القاعدين﴾ أي عن الأسباب الممكنة من الجهاد ومن الهجرة ﴿أجراً عظيماً﴾ ثم بينه بقوله: ﴿درجات﴾ وعظمها بقوله: ﴿منه﴾ وهي درجة الهجرة، ودرجة التمكن من الجهاد بعد الهجرة ودرجة مباشرة الجهاد بالفعل.
(26/ 271)
ولما كان الإنسان لا يخلو عن زلل وإن اجتهد في العمل قال: ﴿ومغفرة﴾ أي محواً لذنوبهم بحيث أنها لا تذكر ولا يجازى عليها ﴿ورحمة﴾ أي كرامة ورفعة ﴿وكان الله﴾ أي المحيط بالأسماء الحسنى والصفات العلى ﴿غفوراً رحيماً﴾ أزلاً وأبداً، لم يتجدد له ما لم يكن. أ هـ ﴿نظم الدرر حـ 2 صـ 300 ـ 302﴾
وقال الفخر:
اعلم أن في كيفية النظم وجوهاً:
الأول: ما ذكرناه أنه تعالى لما رغب في الجهاد أتبع ذلك بيان أحكام الجهاد.
فالنوع الأول من أحكام الجهاد: تحذير المسلمين عن قتل المسلمين، وبيان الحال في قتلهم على سبيل الخطأ كيف، وعلى سبيل العمد كيف، وعلى سبيل تأويل الخطأ كيف، فلما ذكر ذلك الحكم أتبعه بحكم آخر وهو بيان فضل المجاهد على غيره وهو هذه الآية.