وقالت طائفة: لا توبة للقاتل وهذا مذهب ابن عباس المعروف عنه وإحدى الروايتين عن أحمد وقد ناظر ابن عباس في ذلك أصحابه فقالوا: "أليس قد قال الله تعالى في سورة الفرقان 25: 68، 70 ﴿وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ إلى أن قال ﴿إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ فقال: كانت هذه الآية في الجاهلية وذلك أن ناسا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وزنوا فأتوا رسول الله فقالوا إن الذي تدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملناه كفارة فنزل 25: 68 ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ﴾ الآية فهذه في أولئك وأما التي في سورة النساء وهي قوله تعالى 4: 93 ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ فالرجل إذا عرف الإسلام وشرائعه ثم قتل فجزاؤه جهنم" وقال زيد بن ثابت: "لما نزلت التي في الفرقان ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ﴾ عجبنا من لينها فلبثنا سبعة أشهر ثم نزلت الغليظة بعد اللينة فنسخت اللينة" وأراد بالغليظة: هذه الآية التي في سورة النساء وباللينة: آية الفرقان قال ابن عباس: "آية الفرقان مكية وآية النساء مدنية نزلت ولم ينسخها شيء".
(26/ 208)
قال هؤلاء: ولأن التوبة من قتل المؤمن عمدا متعذرة إذ لا سبيل إليها إلا باستحلاله أو إعادة نفسه التي فوتها عليه إلى جسده إذ التوبة من حق الآدمي لا تصح إلا بأحدهما وكلاهما متعذر على القاتل فكيف تصح توبته من حق آدمي لم يصل إليه ولم يستحله منه؟.