قال الشافعي رحمه الله: وكما دلت هذه الآية على هذا المعنى فالقياس يقويه، أما أنه لا تجب الدية فلأنا لو أوجبنا الدية في قتل المسلم الساكن في دار الحرب لاحتاج من يريد غزو دار الحرب إلى أن يبحث عن كل أحد أنه هل هو من المسلمين أم لا، وذلك مما يصعب ويشف فيفضي ذلك إلى احتراز الناس عن الغزو، فالأولى سقوط الدية عن قاتله لأنه هو الذي أهدر دم نفسه بسبب اختياره السكنى في دار الحرب، وأما الكفارة فإنها حق الله تعالى، لأنه لما صار ذلك الإنسان مقتولا فقد هلك إنسان كان مواظبا على عبادة الله تعالى، والرقيق لا يمكنه المواظبة على عبادة الله، فإذا أعتقه فقد أقامه مقام ذلك المقتول في المواظبة على العبادات، فظهر أن القياس يقتضي سقوط الدية، ويقتضي بقاء الكفارة، والله أعلم. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ 10 صـ 186﴾
فصل
قال القرطبى:
(26/ 42)
قوله تعالى: ﴿فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ﴾ هذه مسألة المؤمن يُقتل في بلاد الكفار أو في حروبهم على أنه من الكفار.
والمعنى عند ابن عباس وقتادةَ والسُّدِّي وعكرمَة ومجاهد والنَّخَعِيّ: فإن كان هذا المقتول رجلاً مؤمناً قد آمن وبَقَي في قومه وهم كفرة ﴿عَدُوٍّ لَّكُمْ﴾ فلا دِيَة فيه؛ وإنما كفارته تحرير الرّقبة.
وهو المشهور من قول مالك، وبه قال أبو حنيفة.
وسقطت الدّية لوجهين: أحدهما أن أولياء القتيل كفار فلا يصح أن تدفع إليهم فيتقوّوا بها.
والثاني أن حرمة هذا الذي آمن ولم يُهاجر قليلةٌ، فلا دية؛ لقوله تعالى: ﴿والذين آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حتى يُهَاجِرُواْ﴾ [الأنفال: 72].