قال القاضي أبو محمد عبد الحق رحمه الله: وتأمل فصاحة الكلام في أن سياقه في الصيغة المتقدمة قبل هذه سياق إيجاب الاعتزال. وإيجاب إلقاء السلم، ونفي المقاتلة، إذ كانوا محقين في ذلك معتقدين له، وسياقه في هذه الصيغة المتأخرة سياق نفي الاعتزال، ونفي إلقاء السلم، إذ كانوا مبطلين فيه مخادعين، والحكم سواء على السياقين، لأن الذين لم يجعل الله عليهم سبيلاً لو لم يعتزلوا لكان حكمهم حكم هؤلاء الذين جعل عليهم " سلطان مبين "، وكذلك هؤلاء الذين عليهم السلطان، إذ لم يعتزلوا، لو اعتزلوا لكان حكمهم حكم الذين لا سبيل عليهم. ولكنهم بهذه العبارة تحت القتل إن لم يعتزلوا، و ﴿ثقفتموهم﴾ مأخوذ من الثقاف، أي ظفرتم بهم مغلوبين متمكناً منهم، والسلطان الحجة، قال عكرمة: حيث ما وقع السلطان في كتاب الله تعالى فهو الحجة. أ هـ ﴿المحرر الوجيز حـ 2 صـ 91 ـ 92﴾
(25/ 395)
وقال الآلوسى:
﴿سَتَجِدُونَ ءاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ﴾ هم أناس كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسلمون رياء ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان يبتغون بذلك أن يأمنوا نبي الله تعالى صلى الله عليه وسلم ويأمنوا قومهم فأبى الله تعالى ذلك عليهم قاله ابن عباس ومجاهد وقيل: الآية في حق المنافقين ﴿كُلَّ مَا رُدُّواْ إِلَى الفتنة﴾ أي دعوا إلى الشرك كما روي عن السدي وقيل: إلى قتال المسلمين ﴿أُرْكِسُواْ فِيِهَا﴾ أي قلبوا فيها أقبح قلب وأشنعه، يروى عن ابن عباس أنه كان الرجل يقول له قومه: بماذا آمنت؟ فيقول: آمنت بهذا القرد والعقرب والخنفساء ﴿فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ﴾ بالكف عن التعرض لكم بوجه مّا ﴿وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السلم﴾ أي ولم يلقوا إليكم الصلح والمهادنة ﴿وَيَكُفُّواْ أَيْدِيَهُمْ﴾ أي ولم يكفوا أنفسهم عن قتالكم.
(25/ 396)