تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قلت: ونحو هذا قال أصحاب أبي حنيفة، قالوا: التحية هنا الهدية؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ رُدُّوهَآ﴾ ولا يمكن ردّ السلام بعينه.

وظاهر الكلام يقتضي أداء التحية بعينها وهي الهدية، فأمر بالتعويض إن قبِل أو الردّ بعينه، وهذا لا يمكن في السلام.

وسيأتي بيان حكم الهبة للثواب والهدية في سورة "الروم" عند قوله: ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً﴾ [الروم: 39] إن شاء الله تعالى.

والصحيح أن التحية هاهنا السلام؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ الله﴾ [المجادلة: 8].

وقال النابغة الذُّبيانِيّ:

تُحَيِّيهم بيضُ الولائدِ بينهم. . .

وأكسيةُ الإضرِيج فوق المشاجبِ

أراد: ويسلّم عليهم.

وعلى هذا جماعة المفسرين.

وإذا ثبت هذا وتقرّر ففِقهُ الآية أن يُقال: أجمع العلماء على أن الابتداء بالسلام سُنّة مرغّب فيها، وردُّه فريضة؛ لقوله تعالى: ﴿فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ﴾.

واختلفوا إذا ردّ واحد من جماعة هل يجزىء أو لا؛ فذهب مالك والشافعيّ إلى الإجزاء، وأن المسلم قد ردّ عليه مثلَ قوله.

وذهب الكوفيون إلى أن ردّ السَّلام من الفروض المتعيّنة؛ قالوا: والسلام خلاف الردّ؛ لأن الابتداء به تطوّع وردّه فريضة.

ولو ردّ غير المسلم عليهم لم يسقط ذلك عنهم فرض الردّ، فدل على أن ردّ السلام يلزم كل إنسان بعينه؛ حتى قال قتادة والحسن: إن المصلي يردّ السلام كلاماً إذا سُلّم عليه ولا يقطع ذلك عليه صلاتَه؛ لأنه فعل ما أمر به.

والناس على خلافه.

احتج الأوّلون بما رواه أبو داود عن عليّ بن أبي طالب عن النبّي صلى الله عليه وسلم قال: " يُجزىء من الجماعة إذا مَرُّوا أن يُسلّم أحدهم، ويجزىء عن الجلوس أن يردّ أحدهم " وهذا نصٌّ في موضع الخلاف.

(25/ 256)

جامع لطائف التفسير · الصفحة ١٠٧٥٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

جامع لطائف التفسيرص ١٠٧٥٩