فهذا الإعراض إعراض صفح أو إعراض عدم الحزن من صدودهم عنك، أي لا تهتمّ بصدودهم، فإنّ الله مجازيهم، بدليل قوله: ﴿وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً﴾، وذلك إبلاغ لهم في المعذرة، ورجاء لصلاح حالهم،.
شأن الناصح الساعي بكلّ وسيلة إلى الإرشاد والهدى.
والبليغ فعيل بمعنى بالغ بلوغاً شديداً بقوّة، أي: بالغاً إلى نفوسهم متغلغلاً فيها. أ هـ ﴿التحرير والتنوير حـ 4 صـ 174 ـ 175﴾
فائدة
قال الماوردى:
﴿فَأَعْرِضْ عَنهُم وَعِظْهُم﴾ وفي الجمع بين الإعراض والوعظ مع تنافي اجتماعهما في الظاهر - ثلاثة أوجه:
أحدها: أعرض عنهم بالعداوة لهم وعِظهم فيما بدا منهم.
والثاني: أعرض عن عقابهم وعظهم.
والثالث: أعرض عن قبول الأعذار منهم وعظهم. أ هـ ﴿النكت والعيون حـ 1 صـ 502 ـ 503﴾
قوله تعالى ﴿وَقُل لَّهُمْ فِى أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً﴾
فصل
قال ابن الجوزى:
وقد تكلم العلماء في حدّ "البلاغة" فقال بعضهم: "البلاغة": إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ، وقيل: "البلاغة" حسن العبارة مع صحة المعنى وقيل: البلاغة: الإِيجاز مع الإِفهام، والتصرّف من غير إِضجار.
قال خالد بن صفوان: أحسن الكلام ما قلت ألفاظه، وكثرت معانيه، وخيرُ الكلام ما شوّق أوّله إِلى سماع آخره، وقال غيره: إِِنما يستحق الكلام اسم البلاغة إِذا سابق لفظه معناه، ومعناه لفظه، ولم يكن لفظه إِلى سمعك أسبق من معناه إلى قلبك. أ هـ ﴿زاد المسير حـ 2 صـ 122﴾
فصل
قال الفخر:
في قوله: ﴿فِى أَنفُسِهِمْ﴾ وجوه:
الأول: أن في الآية تقديما وتأخيرا، والتقدير: وقل لهم
(24/ 230)
قولا بليغا في أنفسهم مؤثرا في قلوبهم يغتمون به اغتماما ويستشعرون منه الخوف استشعاراً.