وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ﴾ الفعل للمخاطبين وأصله فان تتولوا، فحذفت إحدى التاءين تخفيفاً. والمعنى أنه قد حمل أداء الرسالة وتبليغها وحملتم طاعته والانقياد له والتسليم. كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من الله البيان وعلى الرسول البلاغ وعلينا التسليم ". فإن تركتم أنتم ما حملتموه من الإيمان والطاعة فعليكم لا عليه، فإنه لم يحمل إيمانكم وإنما حمل تبليغكم، وإنما حمل أداء الرسالة إليكم ﴿وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين﴾ ليس عليه هداهم وتوفيقهم.
وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ
وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}.
النداء بالإيمان
فأمر سبحانه بطاعته وطاعة رسوله، وافتتح الآية بالنداء باسم الإيمان المشعر بأن المطلوب منهم من موجبات الاسم الذي نودوا به وخوطبوا به، كما يقال: يا من أنعم الله عليه وأغناه من فضله، أحسن كما احسن الله إليك: ويا أيها العالم علم الناس ما ينفعهم، ويا أيها الحاكم احكم بالحق، ونظائره.
ولهذا كثيرا ما يقع الخطاب في القرآن بالشرائع كقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. ففي هذا إشارة إلى أنكم إن كنتم مؤمنين فالإيمان يقتضي منكم كذا وكذا فإنه من موجبات الإيمان وتمامه.
(24/ 188)