وعلى القول الثاني من الأقوال الأربعة المتقدِّمة : فقيل : معناه : " وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في دُعَائِهِمْ إلى الله تعالى ، وعَدَمِ سماعِهِمْ إِيَّاه ، كَمَثَلِ بَهَائم الَّذِي يَنْعِقُ " فهو على حذفِ قَيْدٍ في الأوَّل ، وحَذْف مضافٍ في الثاني.
وقيل : التقدير : " ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في عَدَم فَهْمهم عَنِ اللَّهِ ورسُولِهِ ، كَمَثَلِ المنْعُوق بِهِ منَ البَهَائم الَّتي لا تَفْقَهُ من الأَمْر والنَّهْي غَيْر الصَّوْت " فيرادُ بالذي يَنْعِقُ : الذي يُنْعَقُ بِهِ ، ويكون هذا من القَلْبِ ، وقال قائلٌ : " هذا كما تقولون : " دَخَلَ الخَاتَمُ في يَدِي ، والخُفُّ في رِجْلِي " وتقولون : " فُلاَنٌ يَخَافُكَ ؛ كَخَوْفِ الأَسَدِ " ، أي : كَخَوْفِهِ الأَسَدَ ، وقال تعالى : ﴿مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بالعصبة﴾ [القصص : 76] وإنَّما العصبة تنوء بالمفاتح ". وإلى هذا ذهب الفرَّاء ، وأبو عُبَيْدَة ، وجماعةٌ إلاَّ أنَّ القلب لا يقع على الصَّحيح إلاَّ في ضرورة أو ندورٍ.
وأمَّا على القول الثَّالث ، وهو قولُ الأخفش ، والزَّجَّاج ، وابْنِ قُتَيْبَة ، فتقديره : " ومَثَلُ داعي الَّذين كَمَثَلِ النَّاعق بغَنَمه ؛ في كَوْن الكافِرِ لا يَفْهَمُ ممَّا يُخَاطِبُ به داعيَهُ إلاَّ دَوِيَّ الصَّوْت ، دون إلقاءِ فكرٍ وذهنٍ ؛ كما أنَّ البيهمةَ كذلك ، فالكلامُ على حذف مضافٍ من الأوَّل.أ هـ ﴿تفسير ابن عادل حـ 3 صـ 163 ـ 164﴾
فصل في المراد بـ " مَا لاَ يَسْمَعُ "
قال الزَّمَخْشَرِيُّ : ويجوزُ أن يرادَ بـ " مَا لاَ يَسْمَعُ " الأصمُّ الأصْلَج الذي لا يَسْمَعُ من كلام الرَّافِعِ صَوْتَهُ بِكَلاَمِهِ إلاَّ النِّداءَ والصَّوتَ ، لا غير ؛ من غير فهم للحرف ، وهذا جنوح إلى جواز إطلاق " ما " على العقلاء ، أو لما تنزَّل هذا منزلة من لا يسمع من البهائم ، أوقع عليه " مَا ".