تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولعلّه بنى كلامه على تأويل الشرك به بما يشمل الكفر كلّه، أو بناه على أنّ اليهود أشركوا فقالوا: عزير ابن الله، والنصارى أشركوا فقالوا: المسيح ابن الله، وهو تأويل الشافعي فيما نسبه إليه فخر الدين، وهو تأويل بعيد.

فالإشراك له معناه في الشريعة، والكفر دونه له معناه.

والمعتزلة تأوّلوا الآية بما أشار إليه في "الكشّاف": بأنّ قوله ﴿لمن يشاء﴾ معمول يتنازعه ﴿لا يغفر﴾ المنفي ﴿ويغفرُ﴾ المثبت.

وتحقيق كلامه أن يكون المعنى عليه: إنّ الله لا يغفر الشرك لمن يشاء ويغفر ما دون الشرك لمن يشاء، ويصير معنى لا يغفر لمن يشاء أنّه لا يشاء المغفرة له إذ لو شاء المغفرة له لغفر له، لأنّ مشيئة الله المُمْكنَ لا يمنعها شيء، وهي لا تتعلّق بالمستحيل، فلمّا قال: ﴿لا يغفر﴾ علمنا أنّ (من يشاء) معناه لا يشاء أن يغفر، فيكون الكلام من قبيل الكناية، مثل قولهم: لا أعرفنَّك تفعل كذا، أي لا تفعلْ فأعرفَك فاعلاً، وهذا التأويل تعسّف بيّن.

وأحسب أنّ تأويل الخوارج قريب من هذا.

وأمّا المرجئة فتأوّلوا بما نقله عنهم ابن عطية: أنّ مفعول ﴿من يشاء﴾ محذوف دلّ عليه قوله: ﴿أن يشرك به﴾، أي ويغفر ما دون الشرك لمن يشاء الإيمان، أي لمن آمن، وهي تعسّفات تُكْرِه القرآننِ على خدمة مذاهبهم.

وعندي أنّ هذه الآية، إن كانت مراداً بها الإعلام بأحوال مغفرة الذنوب فهي آية اقتصر فيها على بيان المقصود، وهو تهويل شأن الإشراك، وأجمل ما عداه إجمالاً عجيباً، بأن أدخلت صورهُ كلّها في قوله: ﴿لمن يشاء﴾ المقتضي مغفرةً لفريق مبْهم ومؤاخذة لِفريق مبهم.

(23/ 346)

جامع لطائف التفسير · الصفحة ١٠٠١١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

جامع لطائف التفسيرص ١٠٠١١