... ... ولا يلزم أنْ يكون أولئك من أهل العلم، بل قد يوجد من العوام من جُبِلَ على كريم الخلال, وحميد الخصال، قال ابن حزم-رحمه الله-: (وقد رأيت من غمار العامة من يجري من الاعتدال, وحميد الأخلاق إلى ما لا يتقدمه فيه حكيم عالم رائض لنفسه, ولكنه قليل جداً. ورأيت ممن طالع العلوم, وعرف عهود الأنبياء عليهم السلام, ووصايا الحكماء, وهو لا يتقدمه في خبث السيرة, وفساد العلانية, والسريرة, شرار الخلق وهذا كثيرٌ جداً فعلمت أنهما مواهب وحرمان من الله تعالى) (1). فمجالستهم مما يعين على الكفِّ عن المعاصي.
... وهذا مماعُلِمَ بالتجربة في مجال التربية, فإنَّ المتربي قد يكون في بداية أمره لا يملك حياءً غريزياً, أو أنَّ عنده حياءً غريزياً ناقصاً, ثم ينشأ في جو يُنمِّي بواعث الحياء في قلبه, ويدله على خصال الحياء, فإن هذا المتربي سيكتسب الحياء شيئاً فشيئاً, ويقوى الحياء في قلبه بالتوجيه والتربية حتى يصبح الحياء خلقاً ملازماً له، قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: (وَمِنْ كَلَامِ الْحُكَمَاءِ أَحْيُوا الْحَيَاءَ بِمُجَالَسَةِ مَنْ يُسْتَحْيَى مِنْهُ, وَعِمَارَةُ الْقَلْبِ بِالْهَيْبَةِ وَالْحَيَاءِ, فَإِذَا ذَهَبَا مِنْ الْقَلْبِ لَمْ يَبْقَ فِيهِ خَيْرٌ). وهذا الكلام بديع المعنى بعيد الفقه، حيثُ أنَّ كثرة مجالسة من لا يُستحيا منه؛ لقلة قدره ومروءته, أو غيرها, تخلق في النفس نوعَ تجانسٍ معهم, ثم إنَّ قلة قدرهم عنده تجعله لا يستحي منهم, فيصنع ما يشاء بحضرة تلك الجماعة, فتضعف عنده خصلة الحياء شيئاً فشيئاً, فيتعَّود أنْ يصنع ما يشاء أمام الناس جميعاً. أما مجالسة من يُستحيا منه؛ لصلاحهم, وعلو قدرهم, فإنها تحيي في القلب الحياء. فيظل الإنسان يراقب أفعاله وأقواله قبل صدورها حياءً ممن يجالسه, فيكون هذا خلقاً له ملازماً, فتتعود نفسه إتيان الخصال المحمودة, ومجانبة الخصال المذمومة.
(1) مداواة النفوس ، 1/25 .