ومما يُستغرب إدخال الرأس (الدماغ) في مفهوم الجوف، وجعله أحد الجوفين (1)، وبعضهم قال: إنما أخذ حكم الجوف؛ لأن بينهما منفذاً (2).
ومهما يكن من أمر، فإن العمدة في ذلك الحقيقة الشرعية أو اللغوية أو العرفية، وليس في النصوص ذكر للجوف في باب الصيام (3)، وإنما في مواطن أُخر. كما في قوله تعالى: ﴿مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ (4).
ويظهر من ذلك أن المقصود منه جسد الإنسان وجسمه.
وجاء في السنة جملة أحاديث، منها:
- قوله -: (إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب) (5).
- وقوله -: (لإن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً، خير له من أن يمتلئ شعراً) (6).
- فهذا وما قبله فيما يبدو أن المراد منه صدر الإنسان وقلبه.
- وقوله -: (لو كان لابن آدم واديان من مال، لابتغى وادياً ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب) (7).
- وفي ألفاظه (ولا يملأ عين ابن آدم إلا التراب)، (ولن يملأ فاه إلا التراب)، (ولا يملأ نفس ابن آدم إلا التراب).
- فأطلق الجوف على: العين، والفم، والنفس، وهو إطلاق مجازي كما هو ظاهر.
- وقوله -: (لا يجتمع غبارٌ في سبيل الله، ودخانُ جهنم؛ في جوف عبد مسلم، ولا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبدا) (8)، وفي ألفاظه: (في وجه رجل أبداً)، (في منخري مسلم أبداً)، (ولا يجتمع الشح والإيمان في جوف عبد أبداً).
- وهنا أطلق الجوف على: الوجه، والمنخرين، والقلب.
- وقوله -: (إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب الخَلِق، فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم) (9)، وهذا صريحٌ في أن المقصود بالجوف هنا القلب.
- وقوله -: (إن الغضب جمرة توقد في جوف ابن آدم) (10)، وفي لفظ: (ألا وإن الغضب جمرة في قلب ابن آدم).
- وقوله -: (أكثر ما يلج به الإنسان النار؛ الأجوفان: الفم، والفرج) (11).
- وقوله -: (الحياء من الله: أن لا تنسوا المقابر والبِلَى، ولا تنسوا الجوف وما وعى، ولا الرأس وما حوى) (12).
(1) المبسوط للسرخسي (3/ 67)، الأم (5/ 29)، المجموع (6/ 320)، الكافي لابن قدامة (2/ 239).
(2) بدائع الصنائع (2/ 93).
(3) ينظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد العاشر (2/ 225، 253، 285).
(4) الأحزاب: 4.
(5) أخرجه الترمذي (2913) وصححه.
(6) أخرجه البخاري (6155)، ومسلم (2259).
(7) أخرجه البخاري (6463، 6437، 6438، 6439)، ومسلم (1048، 1049، 1050).
(8) أخرجه النسائي (3107 - 3115)، وابن ماجه (2774).
(9) أخرجه الحاكم (1/ 4) وقال: رواته ثقات.
(10) أخرجه الترمذي (2191) وصححه، وأحمد (3/ 19، 61).
(11) أخرجه ابن ماجه (4246)، وأحمد (2/ 392، 442) وصححه ابن حبان (2/ 224).
(12) أخرجه أبو نعيم في الحلية (8/ 185 - 186) وهو مرسل.