الرسول ممكن لا يمكن أحداً أن يجزم بنفيه، ولا يقدر أحد من اليهود، والنصارى أن يشهد بأن كل نسخة في العالم بالكتابين متفقة الألفاظ، إذا هذا لا سبيل لأحد إلى علمه، والإختلاف اليسير في ألفاظ هذه الكتب موجود في المتواتر لا يحتاج أن يحفظ في كتاب كما قال تعالى:
﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ (الحجر:9).
وذلك أن اليهود قبل النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى عهده، وبعده منتشرون في مشارق الأرض ومغاربها، وعندهم نسخ كثيرة من التوراة، وكذلك النصارى عندهم نسخ كثيرة من التوراة، ولم يتمكن أحد من جمع هذه النسخ، وتبديلها، ولو كان هذا ممكناً لكان ذلك من الوقائع العظيمة التي تتوفر الدواعي على نقلها، وكذلك في الإنجيل قال تعالى: ﴿وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه﴾ (المائدة:47).
فعلم أن في هذا الإنجيل حكماً أنزله الله تعالى، لكن الحكم هو من باب الأمر، والنهي، وذلك لا يمنع أن يكون التغيير في باب الإخبار، وهو الذي وقع فيه التبديل لفظاً، وأما الأحكام التي وردت في التوراة، فما يكاد أحد يدعي التبديل في ألفاظها" (الجواب الصحيح ج1 - 368،369)، وقد أمر الله سبحانه وتعالى أهل التوراة أن يحكموا بما أنزل الله فيها كما قال تعالى:
﴿إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾.
وكذلك قال سبحانه وتعالى:
﴿وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾.
وقال تعالى أيضاً: ﴿قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم .. ﴾.
ولا شك أن أهل التوراة لو حكموا بالتوراة حقاً في العقيدة، والشريعة لآمنوا بعيسى بن مريم -عليه السلام- لأن الأمر به موجود في التوراة، وقد جاء عيسى -عليه السلام- مصدقاً، وعاملاً بما فيها ثم ناسخاً لبعض أحكامها، والنسخ موجود في كل الشرائع حتى في شريعة النبي الواحد الذي قد يبيح حكماً في وقت ما من رسالته، ثم ينزل نسخه بعد مدة، وكذلك لو أقام النصارى ما أنزل إليهم من ربهم في الإنجيل، وما أمروا أن يحكموا به من التوراة لأوصلهم ذلك إلى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وتصديقه، واتباعه، فقد جاء مكملاً لما جاء به الأنبياء قبله، ومبشراً به منهم، ولا يتصور أن يأمر الله أهل الكتابين أن يحكموا بما أنزل إليهم والتوراة وجميع ما فيها مكذوب، بل لا بد وأن يكون فيهما الحجة، والحق كما قال الله سبحانه وتعالى لما جاءت اليهود لتحكيم رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن يهودية، ويهودي زنيا قال: {وكيف يحكمونك