"ولكن بمن أشبه هذا الجيل؟ إنهم يشبهون أولاداً جالسين في الساحات العامة، ينادون أصحابهم قائلين: زمّرنا لكم، فلم ترقصوا! وندبنا لكم فلم تنتحبوا! فقد جاء يوحنا لا يأكل، ولا يشرب، فقالوا إن شيطاناً يسكنه! ثم جاء ابن الإنسان يأكل ويشرب، فقالوا: هذا رجل شره، وسكير صديق لجباة الضرائب، والخاطئين، ولكن الحكمة قد بررها أبناؤها" (إنجيل متّى 11/ 1 - 20).
وفي هذا النص من الأدلة على بشرية عيسى -عليه السلام- وأنه عبد الله ورسوله، وأنه لم يكن رباً، وإلهاً وأن هذا يتناقض تماماً مع ما دعا إليه ما يأتي:
1 - قول كاتب الإنجيل (بعدما انتهى يسوع من توصية تلاميذه) ولم يقل عبيده، بل هم تلاميذه، ومعنى ذلك أنه ليس إلا أستاذاً ومعلماً ورسولاً ونبياً، فالرب الخالق -سبحانه وتعالى- لا يقال لمن يعلمهم تلاميذه.
2 - سؤال يحيى (يوحنا المعمدان) وإرساله، وهو في السجن من يسأل عيسى -عليه السلام- (أأنت هو الآتي، أم ننتظر غيرك؟) يدل على أن عيسى –عليه السلام- نبي مرسل، وهو المسيح المبشر به في التوراة، ولا يوجد نص واحد في التوراة يقول إن الله سيأتي بنفسه إلى أهل الأرض، أو سيرسل ولده إليهم، .. ولو كان شيئاً من ذلك لأخبر الله عنه في الرسالات السابقة، وخاصة في بني إسرائيل الذي أرسل عيسى منهم، وإليهم كما قال تعالى في القرآن الكريم عنه: ﴿ورسولاً إلى بني إسرائيل﴾.
فكيف لم يخبرهم الله -عز وجل- على لسان موسى والأنبياء -عليهم السلام- الكثيرين منهم قبله وبعده أنه سيرسل إليهم إبنه أو نفسه وأن هذا الإبن سيكون منسوباً إلى بني إسرائيل من نسل داود إنساناً، وإلى الله سبحانه وتعالى روحاً، ونفساً، وذاتاً كما يدّعون، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
3 - إشادة عيسى بن مريم -عليه السلام- بيحيى -عليه السلام- وبيان أنه لا يختلف مع يحيى إلا في الأسلوب، فقد كان يحيى -عليه السلام- آخذاً بالحزم، والتقشف كما جاء في الإنجيل من أنه كان لا يلبس إلا ثوباً من وبر الجمال، ويشد وسطه بحزام من جلد، ولا يأكل إلا من البرية الجراد، والعسل البري (متّى 3/ 5) وأخذ نفسه بذلك.
وبالبعد عن مخالطة العصاة، وتشديد النكير عليهم، وأما عيسى -عليه السلام- فقد جاء باللين، والرحمة معهم، ومحاولة استمالتهم بالتي هي أحسن إخراجاً لهم من المعصية، ودعوة لهم بالخير، وكان يأكل مع العصاة، ويشرب معهم، ويجالسهم، وقد ضرب عيسى عليه السلام له وليحيى مثلاً -في عدم قبول بني إسرائيل لهما بالرغم من تنوع أسلوبيهما في الدعوة- بأولاد جالسين في الساحات العامة ثم جاءهم أصحاب لهم زمروا لهم فلم يطربوا، وندبوا فلم ينتحبوا!!.
قال عيسى عليه السلام كما جاء في الإنجيل: "جاء يوحنا لا يأكل، ولا يشرب" فقالوا: (إن شيطاناً يسكنه!! وجاء ابن الإنسان) (وهو عيسى بن مريم)، وكان دائماً يسمي نفسه ابن الإنسان ليثبت