تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل العزيز الحميد، وسنة رسوله معصومة؛ لأن الله عصم نبيه أن يتكلم عنه بغير الحق، وأن يبلغ عنه إلا ما يريد الله سبحانه وتعالى .. وإجماع الأمة كذلك معصوم بعصمة الله سبحانه وتعالى؛ لأنها أمة مرحومة لا تجتمع كلها على الباطل، بل لابد وأن يكون منها ما يقوم به الحق إلى آخر الدنيا كما قال صلى الله عليه وسلم: [لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك]. ومعنى هذا أن الأمة الإسلامية إذا اجتمعت على أمر فلا يمكن أن تجتمع كلها عليه إلا أن يكون هو الحق، كما اجتمعوا على أن القرآن لم يحرف، واجتمعوا على قتال المرتدين مانعي الزكاة، واجتمعوا على خلافة الصديق، وأن الصلوات خمس، وصيام رمضان حق، والجهاد ماض إلى قيام الساعة، ونحو ذلك كثير مما اجمعت عليه الأمة في كل عصورها، فمن شذ في ذلك فهو كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً﴾.

والارتباط بالحق يوجب على كل مسلم أن يجعل كتاب الله وما صح عن رسوله، وما أجمعت عليه الأمة وخاصة في عصر الصحابة نصب عينه ولا يحيد عنه لقول قائل مهما كان هذا القائل إماماً متبعاً أو جماعة خاصة، أو هوى أو عرفاً، فكل شرط ليس في كتاب الله مما اشترطه الناس فهو باطل وإن كان مائة شرط، وكل عهد وبيعة، وأمر ونهي يخالف الحق الثابت في كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الأمة فلا يجوز لأحد اتباعه وطاعته، كما قال الإمام الشافعي (رحمه الله): (أجمعت الأمة أنه لا يحل لأحد أن يترك سنة استبانت له لقول قائل كائناً من كان هذا القائل). فأول ما يجب على جماعة الدعوة أن يكون قيامها أولاً من أجل الله وفي سبيله وابتغاء مرضاته -وهذا له تفصيل في غير هذا الموضع- ثم أن يكون هم كل فرد فيها أن يتبع الحق، وأن يعلم أن الجماعة كلها يجب أن تكون في خدمة الحق الذي هو الإسلام وأن يكون رائد الجميع الوصول إلى الحق والالتزام به والتحري عنه.

وقد بلغ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذروة في ذلك سمعاً وطاعة لله ورسوله، ورضى بما يحكم ويأمر حتى لو خالف أهواءهم وما عليه آباؤهم وعشائرهم، وبذلك تجردوا عن كل عصبية تخالف الإسلام، وعن كل عائق يحول بينهم وبين اتباع كلام الله وكلام رسوله، بل بلغ من التزامهم بالحق أن يجادلوا الرسول صلى الله عليه وسلم ويناقشوه فيما يرون أنه الحق، كما جاء في صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص (رضي الله عنه) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه مال فأعطى بعض الناس وترك رجلاً هو أعجبهم لدي، فقلت يا رسول الله: مالك عن فلان؟! والله إني لأراه مؤمناً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [أو مسلماً] وقد راجع سعد بن أبي وقاص رسول الله المرة تلو المرة في هذا الرجل الذي لم يعطه رسول الله من المال الذي جاءه

أصول العمل الجماعي · الصفحة ٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أصول العمل الجماعيص ٤