تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[إنكم ستفتحون، القسطنطينية وإنكم ستفتحون روما] وقال ابن عمر (مدينة هرقل تفتح أولاً).

وأما هذه الرؤية الشمولية للواقع الكائن، وما ينبغي أن يكون لا يجوز بتاتاً أن نقول إن جماعة واحدة من جماعات الدعوة إلى الله -والتي أثبتنا مشروعيتها بل وجوبها بما لا مجال للطعن فيه إلا مكابرة- تستطيع أن تقوم بكل ذلك. بل إن الواقع الإسلامي اليوم ليفرض على كل فرد أو جماعة أن يبذل قصارى جهده، وغاية كده وجهاده، لعله أن يرفع لبنة في البناء المتهاوي إلى مكانها، أو يسد خرقاً أو قفل ثغرة من الثغور يدخل العدو من خلالها إلى هذه الأمة.

ولا شك أيضاً أنه كلما توسعت جماعة الدعوة واستطاعت أن ترقع في ثوب الإسلام أكثر من خرق، وأن تقفل في وجه أعدائه أكثر من ثغر، وأن تبني في صرح الإسلام أكثر من لبنة كان هذا أفضل وأكمل.

فكيف ترى لو أن عالماً من علماء المسلمين اهتم بتربية مجموعة من التلاميذ على فضائل الدين، وأوقف نفسه على ذلك كان ذلك منه حسنا، فماذا لو أنه مع اهتمامه الأول كان يتصدى للرد على الملاحدة والزنادقة والمنحرفين، وماذا لو أنه مع ذلك كان آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، وماذا لو أنه كان كذلك قائماً بالشفاعة الحسنة لإخوانه المسلمين ومتفقداً للأرملة والمسكين، وباذلاً جزءاً من وقته لإصلاح ذات البين بين المتخاصمين.

وانظر هذا في سيرة علم من أعلام الأمة المعاصرين كشيخنا عبد العزيز بن باز حفظه الله، ألا ترى أن مثل هذا في الناس يعمل عمل أمة .. وهكذا الشأن في عمل جماعات الدعوة إلى الله فلو أن جماعة قصرت نفسها على مهمة واحدة من مهمات الدين، وخصصت عملها كله في شأن واحد من شؤون المسلمين لكان هذا حسناً وليس بسيء، أما إذا وفقها الله سبحانه وتعالى فتعددت منافعها، وتشعبت أعمالها، لكان هذا فضلاً على فضل وإحساناً على إحسان.

ولكن الذي نحذر منه دائماً ألا يظن أن الاقتصار على شعبة من شعب الإيمان هو الإيمان كله. فلا يجوز لجماعة تقاتل العدو أن تحتقر من يقوم بتعليم العلم وتصحيح المعتقد، وتزكية النفوس؛ لأن جهاد الكفار وحده لا يغني عن ذلك، بل نحن نجاهد الكفار من أجل أن يزكوا أنفسهم، ويصححوا معتقدهم، ويقيموا صلاتهم على الوجه المطلوب. فكيف يرضى من المجاهد مع جهاده في سبيل الله أن يكون سيء الاعتقاد، فاسد الطوية، مصلياً صلاة، حكم الشرع ببطلانها أو فسادها.

والخلاصة أن هذا الدين لا يصلح إلا لمن أحاط به من جميع جوانبه، وآمن بكل ما جاء به الرسول من ربه عقيدة وشريعة، واتقى الله ما استطاع، وعمل من الدين بما وسعه جهده.

أصول العمل الجماعي · الصفحة ٢٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أصول العمل الجماعيص ٢٠