الدين، ولا بد من خوض هذه الحرب السياسية على كافة الأصعدة، وفي كافة المجالات، ولا يجوز بتاتاً أن تكون من خلال منبر المسجد فقط ولا من خلال الكتاب الإسلامي، والدرس السري، بل يجب أن تكون أيضاً من خلال الصحيفة والإذاعة، والتلفزيون، والجامعة، والمنصب الحكومي، والحزب السياسي، والجمعية الدينية، والمجتمع النقابي، والمدارس، والمعاهد، وكذلك يجب أن تشمل هذه الحرب السلمية الكلمة بكل أنواعها، والأساليب بمختلف صورها يجب أن تشمل: المحاضرة والخطبة، والقصيدة الشعرية، والقصة، والمقالة. ولا يجوز بتاتاً ترك الساحة الإعلامية والأدبية لفكر مناوئ للدين ليصول ويجول، بل يجب تحطيم كل فكر مخالف وإحلال الأدب الإسلامي الرفيع، والقيم الإسلامية العليا، مكان الأدب الساقط، والقيم المادية السفلى التي باتت تغزونا في عقر دارنا.
هذا هو العمل السياسي الذي نعنيه ولا شك. إن القول بأن مثل هذا العمل مشغلة عن الدعوة قول فيه تغرير وجهل كبير. بل العمل السياسي على هذا النحو هو الدعوة الحقيقية، ويكفينا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لحسان بن ثابت:
[اهجهم "أي قريش" وروح القدس تؤيدك] .. وقال له أيضاً: [لشعرك أشد عليهم من وقع السهام] (رواه مسلم)، فحسان جعله النبي صلى الله عليه وسلم مجاهداً بالقصيدة الشعرية التي كانت تسد فراغاً لا يسده غيرها، إذ لا يكفي الانتصار عسكرياً على الكفار، بل يجب النصر أيضاً عقائدياً وفكرياً وأدبياً.
واليوم يحتاج المسلمون في عملهم الدعوي والجهادي والسياسي إلى إعلام ناجح، يتمثل في حسن عرض الرسالة الإسلامية، وفي قوة الرد على الخصوم، وفي رشاقة وحسن التعبير عن قضايا الدين، وليس بكثرة العدد ينتصر المسلمون في جهادهم السياسي، بل أيضاً في رسالتهم الإعلامية الموجهة التي يجب أن تحطم ما دونها من عقائد وأفكار وقيم، ولن تتمكن من ذلك إلا إذا كانت قوية محكمة.
ثالثاً: قولهم: أن هذا الأسلوب من أساليب العمل لم يمارسه الرسول صلى الله عليه وسلم والأصل اتباعه في كل شيء من أمر الدين وبخاصة الدعوة إلي الله:
الشبهة الثالثة هي ما ذكرناه -آنفاً- وهذا القول مردود بالأدلة التالية:
(1) أن قد ثبت بما قدمناه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد مارس العمل السياسي بكل معانيه الطيبة الخيرة من تكوين أمة وجماعة، والدعوة إلى عقيدة تحطم كل العقائد الموجودة، وتنادي بوجوب إزاحة بل إزالة كل عقبة تقف في وجه دعوة الإسلام، ووجوب جعل السلطان لأمة الإسلام، ثم قد مارس رسول الله صلى الله عليه وسلم كل أعمال الحكم والسيادة، من تولية الولاة،