وبذلك يقرون أعين الكافرين، وينفذون غافلين مخطط أعداء الدين، ويتركون قيادة الناس للمجرمين والمخربين والمفسدين، أليس هذا من أعظم الذنوب، وأكبر الكبائر؟!!
ولما كان بعض الدعاة إلى الله المخلصين الطيبين قد يقفون في هذا الأمر، أعني ترك العمل السياسي ظانين أنه مشغلة عن الدعوة والدين، وقد يتمسكون في تركهم هذا ببعض الشبهات والتأويلات. أحببت هنا أن استعرض أهم الشبهات وأرد عليها حتى لا يكون بعد ذلك هناك عذر لمعتذر، ولا حجة لمتخلف، ولا مستمسك لقاعد.
أولاً: إن الداعي إذا دخل المعترك السياسي فإنه لا يسلم من بعض المخالفات الشرعية:
كثير من الدعاة يحجم عن خوض المعترك السياسي والذي شرحناه -آنفاً- بأنه لا بد للداخل في هذا الميدان من أن يرتكب بعض المخالفات الشرعية. كمخالطة المخالفين، ومشاركة العصاة .. الخ. وهذا تصور خاطئ للعمل السياسي الإسلامي لأن حقيقة ذلك هو الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإعلاء كلمة الله في الأرض وجهاد الكافرين بالقلم واللسان، وإزاحة أهل الباطل عن التصدر على مصالح المسلمين والتسلط على رقاب الناس، وقيادة الأمة، وكل هذه أمور مشروعة بل غايات شريفة ولا شك. وقد شرحنا -آنفاً- ضوابط السياسة الشرعية، وقواعد العمل السياسي الإسلامي (انظر ص21 - 53)، وأنه التزام بالحق والأخلاق، وعدم تفريط في شيء من الدين، مما أغنى عن إعادته هنا.
وأما مخالطة الناس فمطلوبة في الأمر المباح الذي لا بد منه، وفي الأمر الواجب المفروض، والمسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم، ثم لو فرضنا جدلاً أن بعض هذه الخلطة، وبعض أساليب الدعوة الحديثة ووسائلها لا يخلو من ارتكاب مخالفات شرعية .. لو افترضنا هذا جدلاً فإن هذا يكون من المعفو عنه -إن شاء الله تعالى- فإن الخير لا يتمخض مطلقاً في مثل هذا المجتمع الذي نعيش فيه، فلا يستطيع مسلم أن يمارس تجارة ولا زراعة، ولا صناعة، ولا عملاً، إلا بأن يرتكب بعض الحرام مما فرضه الواقع المخالف للدين، وعلى المسلم في هذا المجتمع الذي نعيش فيه ألا يصمد للحرام صمداً، وألا يطلبه لذاته كأن يرابي أو يقامر، أو يغش، أو يرتشي، ولكن أن يتاجر فيفرض عليه مكس، وضريبة، ويتعامل مع بنك ربوي لا حيلة له إلا في التعامل معه، وأن يتعلم فلا يكون له مندوحة من جامعات يقع فيها اختلاط وخلط بين تعاليم الإسلام وتعاليم الكفر، وأن يتولى عملاً من أعمال المسلمين فيفرض عليه بعض الشر الذي لا بد منه، ولا مندوحة له عنه، فإن مثل هذا ولا شك من المعفو عنه -إن شاء الله تعالى- رفعاً للحرج، ولأنه يستحيل أن يتمخض الخير. فلو فرضنا جدلاً أن ممارسة بعض الأساليب والوسائل الحديثة للدعوة: كالجمعية والحزب والنقابة، والوظيفة