تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

"الحر" هذا، وإنما تكمن في أن أعداء الإسلام دائماً وأبداً يقطعون الطريق على المسلمين عندما يقتربون من أهدافهم، ويقاربون الوصول إلى تطبيق الإسلام فتثور ثائرة أعداء الدين في داخل الوطن الإسلامي وخارجه، ويعمدون إلى تغيير النظام "الديمقراطي" الحر برمته وكليته ويلجؤون إلى الحكم الاستبدادي العسكري كما حدث في مصر، وتركيا، والسودان وأماكن كثيرة أخرى من العالم الإسلامي.

وللأسف فالنظام "الديمقراطي" يظل نظاماً مرضياً عنه ومرعياً من قبل أعداء الدين طالما أن الموجة لهم، والدولة معهم، والناس في ركابهم، ولكن يوم تتحول الموجة للدين، وينشط الدعاة إلى الله، وينصرف الناس عن الباطل إلى الحق، هنا يكشر أعداء الدين عن أنيابهم ويكفرون بالديمقراطية التي يتشدقون بالإيمان بها، وينقلبون فوراً إلى الاستبداد والتجبر.

وهذا ديدنهم منذ الرسالات الأولى، ألا ترى أن "فرعون" سمح لـ "موسى" بمقابلته ومناظرته، وكان فيما قال له: ﴿ألم نربك فينا وليداً ولبثت فينا من عمرك سنين* وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين .. ﴾ وأن موسى رد برد أفحم فرعون وأسكته ثم سأل فرعون موسى عن ربه فأخبره وأقام عليه الحجة وأسكته، فلجأ فرعون رأساً إلى التسلط والتجبر، بعد هامش الحرية الذي سمح له لموسى. حيث قال له: ﴿لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين﴾ (الشعراء:29). ثم لما أقام موسى له برهاناً آخر أعجزه وحيره وأقام حاشيته عليه. اضطر فرعون ثانية إلى التنازل عن السجن، وحشد ما حشد من سحرته وكهنته، ثم لما كانت الهزيمة الماحقة لفرعون وسقوط كل حججه وبراهينه عمد إلى القمع والتعذيب والنكال. فاتهم السحرة زوراً أنهم متآمرون وأنهم دبروا هذه المكيدة مع موسى، واستثار حب المواطنة عند قومه، فزعم أن هذه المؤامرة يراد بها إخراج المصريين من وطنهم، وإحلال بني إسرائيل والسحرة مكانهم .. وفي غمرة هذه الأكاذيب فعل ما فعل بالمؤمنين، ثم لما خرج موسى بقومه من مصر مكذباً بذلك دعايات فرعون، ما كان من فرعون إلا أن تعقبهم، وأراد اللحاق بهم إمعاناً في الانتصار لنفسه الذليلة وكرامته المجروحة، وألوهيته التي كذبتها الأحداث فأهلكه الله.

والشاهد من هذا الاستطراد هو بيان النظام الحر "الديمقراطي" الذي يعطي المسلمين نوعاً من الحرية لدعوتهم، لا شك أنه يستبدل فوراً ويلجأ أعداء الإسلام إلى العنف والتنكيل والظلم عندما يشعرون أن امتيازاتهم الظالمة، ومصالحهم الخسيسة، وشهواتهم الدنيئة قد هددت من قبل المسلمين، وأن أهل الإسلام أصبحوا قاب قوسين أو أدنى من تطبيق الشريعة، وحينئذ يلجؤون إلى سلوك سبيل فرعون.

المسلمون والعمل السياسي · الصفحة ١٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المسلمون والعمل السياسيص ١٦