تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

للمحبة رجال ما تركوا في قلوبهم لغير محبوبهم مجالاً، فما في المحب عضو ولا جارحة إلاّ وعليه شواهد المحبة لبارئها فالألسن قد شغلها أنيس (فاذكروني اذكركم) والأسماع منصته لاستماع كلام الكريم (وإذا سألك عبادي عني فاني قريب) والأبصار شاخصة لانتظار (﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ القيامة 22، 23 والأبدان قائمة بوظيفة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ الفاتحة:5، والقلوب مرتبطة برابطة ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ المائدة:54، والأسرار مستغرقة في مشاهدة حضرة ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ البروج: 3، والأرواح ترتاح لأذكار ﴿فَرَوْحُُُ وَرَيْحَانُُ﴾ الواقعة: 89، فما للعابد الحق غفلة عن معبوده.

وإذا سكنت المحبة في القلوب وأنارت بأنوار المحبوب فأثرت وأثمرت في القلب سبعة أشياء لا يضيء مصباح معرفة الرب إلاّ بها: إخلاص النية لله، والخوف من الله، ورجاء ثواب الله، والصدق مع الله، والتوكل على الله، وحسن الظن بالله، والشوق إلى لقاء الله.

قال عامر بن قيس: أحببت الله حباً هوّن عليّ كل مصيبة، ورضاني بكل بلية فلا أبالى مع حبي إياه على ما أصبحت ولا على ما أمسيت.

إن كان سركم ما قد بليت به ... فما لجرح إذا أرضاكم ألم

ومتى تمكنت المحبة من القلب لم تنبعث الجوارح إلاّ إلى طاعة الرب، فمن أحب الله بحق لم يكن عنده شيء آثر وأفضل من رضا الله وطاعته، لهذا فنعلم أنه لا تتم محبة الله إلاّ بمحبة ما يحبه، وكراهة ما يكرهه، ولا طريق إلى معرفة ما يحبه ويكرهه إلاّ باتباع أمره واجتناب نواهيه.

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (إن الله تعالى إذا أحبّ عبداً دعا جبريل فقال: إني أحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في السماء فيقول: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء: ثم يوضع له القبول في الأرض) مسلم.

تذكرة المتقين · الصفحة ٦٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تذكرة المتقينص ٦٤