تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا أراد العبد أن ترسخ تقوى الله في قلبه فلا بد أن يرى الأمور على حقيقتها وتقوم في قلبه شواهد لها وحسب شاهد العبد يكون عمله، فأول شواهد السائر إلى الله والدار الآخرة أن يرى بقلبه الدنيا وحقارتها، وقلة وفائها، وكثرة جفائها، وسرعة انقضائها، وخسة شركائها، ويرى أهلها وعشاقها صرعى حولها، وقد عذبتهم بأنواع العذاب، أضحكتهم قليلاً وأبكتهم طويلاً، سقتهم كؤوس سمها بعد كؤوس خمرها، فسكروا بحبها، وماتوا بهجرها، فإذا قام بالعبد هذا الشاهد منها، رحل بقلبه عنها وجدّ في طلب الدار الآخرة، وحينئذ يقوم بقلبه شاهد من الآخرة ودوامها وإنما هي الحياة الدائمة، فهي دار القرار، ومحطّ الرحال، ومنتهى السير, وأن الدنيا بالنسبة لها (كما يجعل أحدكم إصبعه في البحر فلينظر بماذا يرجع) فما الدنيا في الآخرة إلا أقل من ذرة واحدة في جبال الدنيا، ثم يقوم بقلبه شاهد من النار وتوقدها واضطرامها، وشدة حرها وعظيم عذاب أهلها، فيشاهدهم وقد ِسيقوا إليها سود الوجوه، زرق العيون، والسلاسل والأغلال في أعناقهم، فلما انتهوا إليها فتحت أبوابها، فشاهدوا ذلك المنظر الفظيع، وقد تقطعت قلوبهم حسرة وأسفاً ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفاً﴾ الكهف 53فأراهم شاهد الإيمان وهم إليها يدفعون، وأتى النداء من رب العالمين ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾ الصافات 24] ثم قيل لهم ﴿فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعاً وَلا ضَرّاً وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [سورة سبأ42] فيراهم شاهد الإيمان وهم في الحميم على وجوههم يسحبون، وفي النار كالحطب يسجرون ﴿لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ الأعراف 41] فبئس اللحاف وبئس الفراش، فإذا قام بقلب العبد هذا الشاهد إنخلع من الذنوب والمعاصي واتباع

تذكرة المتقين · الصفحة ٥٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تذكرة المتقينص ٥٤