[5] وإذا نظرنا إلى عملية الهضم على أنه عملية في معمل كيماوي وإلى الطعام الذي نأكله على أنه مواد مختلفة، فإننا ندرك تواً أنه عملية عجيبة، إذ تهضم المعدة تقريباً كل شيء يؤكل، ونأكل بلا مراعاة المعدة أو تفكير في كيفية معالجة كيمياء الهضم، ومن بين هذا الخليط تختار المعدة تلك الأشياء التي ذات فائدة وذلك بتحطيم كل صنف إلى أجزائه الكيماوية، دون مراعاة الفضلات، وتعيد تكوين الباقي إلى بروتينات جديدة تصبح غذاء لمختلف الخلايا، وحين تتحلل هذه الأطعمة وتجهز من جديد، تقدم باستمرار إلى كل خلية من بلايين الخلايا التي تبلغ أكثر من عدد الجنس البشري كله على وجه الأرض، ويجب أن يكون التوريد إلى كل خلية مفردة مستمراً وألاّ يورد سوى تلك المواد التي تحتاج إليها، تلك الخلية المعينة لتحويلها إلى عظام وأظافر ولحم وشعر وعينين وأسنان، كما تتلقاها الخلية المختصة، فهي إذاً معمل كيماوي ينتج أكثر مما ينتجه أي معمل إبتكره ذكاء الإنسان، وهذا نظام للتوريد أعظم من أي نظام للنقل والتوزيع عرفه العالم.
[6] المدركات كلها تصل إلى المخ عن طريق الجهاز العصبي الدقيق ولكنه يختزنها لو كان هذا المخ شريطاً مسجلاً لاحتاج الإنسان من خلال الستين عاماً التي هي متوسط عمره إلى آلاف الملايين من الأمتار ليسجل عليها هذا الحشد من الصور والكلمات والمعاني والمشاعر والتأثرات لكي يذكرها بعد ذلك، كما يذكرها فعلاً بعد عشرات السنين، ثم كيف يؤلف بين الكلمات المفردة والمعاني المفردة والحوادث المفردة والصور المفردة ليجعل منها ثقافة مجمعة، ثم يرتقي من المعلومات إلى العلم ومن المدركات إلى الأدراك، ومن التجارب إلى المعرفة.