كان ناسكاً له عسل وسمن في جرّة، ففكر يوماً فقال: أبيع الجرة بعشرة دراهم وأشتري خمسة أعنز فأولدهن في كل سنة مرتين، ويبلغ النتاج في سبع سنين مائتي عنزة وابتاع بكل أربع بقرة، وأصيب بذراً وأزرع، وسُينمى المال في يدى فأتخذ المسكن والعبيد والإماء والأهل ويولد لى ابن فأسميه كذا وآخذه بالأدب فإن هو عصاني ضربته بعصاي هكذا، وكانت في يده عصا فرفعها حاكياً الضرب فأصابت عصاه الجرّة فانكسرت، وانصب العسل والسمن على رأسه.
بغض الحياة وخوف الله أخرجني وبيع نفسي بما ليت له ثمناً
إني وزنت الذي يبقى ليعدله ما ليس يبقى فلا والله ما اتزنا
قال حكيم: الدنيا ميراث المغرورين ومساكن البطالين وسوق الراغبين وميدان الفاسقين وسجن المؤمنين ومزبلة المتقين ومزرعة العاملين.
قال ابن القيم: للقلب ستة مواطن يجول فيها لاسابع لها ثلاثة سافلة وثلاثة عالية فالسافلة دنيا تتزين له ونفس تحدثه وعدو يوسوس له، والثلاثة العالية علم يتبين له وعقل يرشده وإله يعبده، والقلوب جوالة في هذه المواطن.
قال أحد الصالحين: من تخفّف من الدنيا حملته ومن حمل الدنيا صرعته.
السنة شجرة والشهور فروعها والأيام أغصانها والساعات أوراقها والأنفاس ثمارها فمن كانت أنفاسه في طاعة الله فثمرة شجرته طيبة، ومن كانت أنفاسه في معصية الله فثمرته حنظل، وإنما الحصاد يوم المعاد وفيه يتضح حلو الثمار من مرها
إن مع الحياة موتاً وإن مع الدنيا آخرة، وإن لكل شيء حسيباً ولكل حسنة ثواباً ولكل سيئة عقاباً وإنك لا بد لك من قريب يدفن معك وهو حي وتدفن معه وأنت ميت فإن كان كريماً أكرمك وإن كان لئيماً أسلمك لا يحشر إلا معك ولا تبعث إلا معه ولا تسأل إلا عنه فلا تجعله إلا صالحاً وهو عملك.
قال هلال بن قتادة: كان الرجل من أهل المدينة إذا رأى الشيب في لحيته أو رأسه ترك الدنيا وتفرغ للعبادة.