قال : فإنَّ أحدكم إذا قام يصلي ، فإن الله تبارك وتعالى قِبَلَ وجهه(1) ، فلا يَبْصُقَنَّ قِبَلَ وجهه ، ولا عن يمينه ، ولْيَبصُقْ عن يساره تحتَ رِجْلِه اليُسرى(2) ، فإن عَجِلَتْ به بادرة ،
(1) ـ هذا من التعبير المجازي ، كما يقال : (بيت الله) و(كعبة الله) . والمراد : أن القبلة التي أمَرَ الله المصليَ بالتوجه إليها للصلاة : قِبَلَ وجهه ، فليَصُنها عن النخامة . وإنما أضيفت تلك الجهة إلى الله تعالى ، على سبيل التكريم والتعظيم ، مثل قوله : (ناقَةَ الله وسُقْياها) .
(2) ـ إنما يسوغ هذا الفعل في أثناء الصلاة ، وفي داخل المسجد ، إذا اضطرَّ إليه المصلي ، وكانت أرض المسجد تراباً أو رملاً أو حصى أو نحو ذلك ، كما كانت المساجد في العهد النبوي . أما إذا كان المسجد مبلَّطاً أو مجصَّصاً أو مفروشاً بشيء ، كما هي حالُ المساجد اليوم ، فيتعيَّن على المصلي البُصاق في ثوبه إذا احتاج إليه ، إذْ تجب صيانة المسجد عن كل مستقذَرٍ أو مكروهٍ أو مُذهِبٍ للنظافة . ورحم الله الإمام البخاري ورَضِيَ عنه ، ما أجلَّ ورعَه وأشدَّ رعايتَه للمسجد ، حكى الحافظ ابن حجر في ((هَدْي الساري مقدمة فتح الباري)) 2 :196 ، في خلال ترجمة الإمام البخاري ، قال رحمه الله تعالى : ((قال محمد بن منصور : كنا في مجلس أبي عبد الله البخاري ، فرفَعَ إنسانٌ قَذاةً من لحيته وطَرَحها إلى الأرض . فرأيتُ البخاري ينظر إليها وإلى الناس ، فلما غفل الناس ، رأيتُه مدَّ يدَه فرفع القذاة من الأرض فأدخلها كُمَّه ، فلما خرج من المسجد رأيته أخرجها وطرحها على الأرض)) .انتهى . =
= فقد صان الإمام البخاري أرضَ المسجد عما تُصانُ عنه لِحيتُه ، إنها بصيرةُ العلم والعمل ، (فبهُداهُمْ اقْتَدِهْ) .