وأنه يَغلِبُ فلا يَبْطَر ، ويُغْلَبُ فلا يُهْجِرُ ـ أي لا يقولُ القبيحَ من الكلام ـ (1)، وأنه يَفي بالعهد ، ويُنجِزُ الوعدَ ، وأشهَدُ أنه نبي)) . انتهى .
وقال الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى في كتابه (الاعتصام)(2) : ((وإنما كان عليه الصلاة والسلام خُلُقُه القرآن ، لأنه حكَّم الَحْي على نفسِه ، حتى صار في عِلْمه وعَمَلِه على وَفْقِه ، فكان للوحي موافقاً قائلاً مذعِناً ملبياً واقفاً عند حُكمِه .
وهذه الخاصّةُ كانت من أعظم الأدلة على صِدقِه فيما جاء به ، إذ قد جاء بالأمر وهو مؤتَمِر ، وبالنهي وهو مُنْتهٍ ، وبالوعظِ وهو مُتَّعِظ ، وبالتخويف وهو أول الخائفين ، وبالترجية وهو سائقُ دابّةِ الراجين .
وحقيقةُ ذلك كلِّه : جعلُه الشريعةَ المنزَّلةَ عليه حُجّةً حاكمةً عليه ،ودلالةً له على الصراطِ المستقيمِ الذي سارَ عليه صلى الله عليه وسلم .
ولذلك صار عبدَ الله حقاً ، وهو أشرف اسم تُسمّى به العبادُ ، قال تعالى : (سبحان الذي أَسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام)(3) . وقال أيضاً : (تبارك الذي نزَّل الفرقان على عبده)(4) . وقال أيضاً : (وإن كُنتُم ف رَيبٍ مما نَزَّلنا على عبدِنا)(5) . وما أشبَه ذلك من الآيات التي وقع مدحُه فيها بصفةِ العُبودية .
(1) ـ ويمكن أن تقرأ : (ويُغلَبُ فلا يُهجَرُ) ، لتآخي السجعتين وزناً أي لا يُهْجَرُ من أصحابه ليقينهم بصدقِ نُبُوَّتِهِ وأنه بَشَرٌ سَوِيّ .
(2) ـ 2 : 339 ـ 340 في أوائل الفصل الرابع من (الباب العاشر) .
(3) ـ من سورة الإسراء ، الآية 1 .
(4) ـ من سورة الفرقان ، الآية 1 .
(5) ـ من سورة البقرة ، الآية 23 .