والخصلة الثامنة : أنه أفصحُ الناس لِساناً ، وأوضَحُهم بياناً ، وأوجَزُهم كلاماً ، واجْزَلُهم ألفاظاً ، وأصحُّهم مَعانيَ ، لا يَظهَرُ فيه هُجْنَهُ التكلُّف(1)، ولا يَتخَلَّلُه فيْهَقَةُ التَّعسُّف(2) ، وقد دُوِّنَ كثيرٌ من جوامع كَلِمه ومن كلامه الذي لا يُشاكَلُ في فصاحته وبلاغته(3) ، ومع ذلك فلا يأتي عليه إحصاء ، ولا يَبلُغُه استقصاء .
ولو مُزِجَ كلامُه بغيره لتميَّز بأسلوبه ، ولظَهَر فيه آثارُ التنافر، فلم يَلتبس حَقُّه من باطِله ، ولَبانَ صِدقُه من كذبِه(4).
هذا ، ولم يكن مُتعاطِياً للبلاغة ، ولا مُخالِطاً لأهله من خُطَباءَ أو شُعراءَ أو فُصحاء(5) ، وإنما هو من غرائز فِطْرَتِه ، وبِدايةِ جِبِلَّتِه(6) ، وما ذاك إلاّ لِغايةٍ تُراد ، وحادثةٍ تُشاد(7) .
4 ـ وأما الوجه الرابع في فضائل أفعاله ، فمختَبَرٌ بثمانِ خِصال :
(1) ـ هُجنةُ التكلُّفِ : قُبحُه وعَيْبُه .
(2) ـ فيْهَقَةُ التَّعسُّف : التوسُّع والتنطُّع في النطق .
(3) ـ أي لا يُشابَهُ ولا يُماثَل في فصاحته وبلاغته . وقد تقدَّم تعليقاً في ص 24 ـ 25 نماذجُ كثيرة من جوامع كَلِمه صلى الله عليه وسلم ، فعُدْ إليها إذا شئت .
(4) ـ يعني : لو كُذِبَ عليه صلى الله عليه وسلم ، وقيل على لسانه كلامٌ لم يقله ، لعُرِفَ كلامُه الحقُّ من الكلام الباطل المكذوب عليه ، بأمارةِ فصاحته وتميُّزِ أسلوبه .
(5) ـ أي لم يكن صلى الله عليه وسلم مخالطاً لهؤلاء على سبيل التعلُّم والتلقف منهم .
(6) ـ أي خِلْقتِه .
(7) ـ وهي القيام بأعباءِ النبوة وإبلاغِها للناس .