. لأنه نبَّهَ بالقليل على الكثير ، فكفَّ عن الإطالة ، وكشَفض عن الجهالة ، وما تيسَّر له ذلك ، إلاّ وهو عليه مُعان ، وإليه مُقاد .
والخصلة الرابعة : ما أمَرَ به من محاسن الأخلاق ، ودَعا إليه من مُستحسَن الآداب ، وحَثَّ عليه من صِلةِ الأرحام ، ونَدَبَ إليه من التعطُّفِ على الضعفاء والأيتام .
ثم ما نهى عنه من التباغُض والتحاسُد ، وكفَّ عنه من التقاطع والتباعُد ، لتكونَ الفضائلُ فيهم أكثر ، ومحاسِنُ الأخلاق بينهم أنشَر ، ومُستحسَنُ الآدابِ عليهم أظهر ، ويكونوا إلى الخير أسرع ، ومن الشرِّ أمنَع .
فيتحقَّقُ فيهم قولُ الله تعالى : (كنتم خَيْرَ أُمَّةٍ أُخرِجَتْ للنّاس ، تأمُرون بالمعروف ، وتَنْهَوْنَ عن المنكر)(1) . فلَزِموا أوامرَه ، واتَّقوا زواجِرَه ، فتكاملَ بهم صَلاحُ دينهم ودُنياهم ، حتى عَزَّ بهم الإسلامُ بعدَ ضعفِه ، وذلَّ بهم الشِّركُ بعد عِزِّه ، فصاروا أئمةً أبراراً ، وقادةً أخياراً .
والخصلة الخامسة : وُضوحُ جوابِه إذا سُئل ، وظُهورُ حِجاجِه إذا جودِل(2) ، لا يَحْصُرُه عِيّ(3) ، ولا يَقطَعُه عَجْز ، ولا يُعارِضُه خَصْمٌ في جدال ، إلاّ كان جوابُه أوضح ، وحِجاجُه أرجح .
والخصلة السادسة : أنه محفوظُ اللسان من تحريفٍ في قول ، واسترسالٍ في خبرٍ يكون إلى الكذب منسوباً ، وللصدقِ مُجانباً ، فإنه فإنه لم يَزَلْ مشهوراً بالصدق في خَبَرِه ناشِئاً وكبيراً ، حتى صار بالصِّدق مَرقوماً(4) ، وبالأمانة مَوسوماً(5) .
(1) ـ من سورة آل عمران ، الآية 110 .
(2) ـ الحِجاج : المُجادلة .
(3) ـ أي لا يضايقه ولا يمنعه عن أداء مراده ضعف .
(4) ـ أي مزيَّناً ومعرَّفاً .
(5) ـ أي صارت الأمانة له وِساماً وعلامة .