58 ـ عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((إن مثَلَ ما بَعَثَني الله به من الهُدى والعلم، كمثلِ الغَيْثِ الكثير أصاب أرضاً ، فكانتْ منها طائفةٌ طيِّبَةٌ نَقِيَّةٌ قَبِلَتْ الماءَ فأنبتَتْ الكَلأَ والعُشْبَ الكثير(1) . وكانت منها أَجادِبُ(2) أمسَكَتْ الماءَ فنفَع الله بها الناسَ فشَرِبوا وسَقَوا وزَرَعوا .
وأصابَ طائفةً أخرى منها إنما هي قِيْعان لا تُمسِكُ ماءً ولا تُنبِتُ كَلأً (3).
فذلك مثلُ منفَقِه في دجين الله ونَفَعَه الله به فعَلِم وعَلَّم ، ومثلُ من لم يَرفَعْ بذلك رأساً ولم يَقْبَلْ هدَى الله الذي أُرسِلْتُ به))(4)
(1) ـ (الغيثُ) المطر ، و(الكَلأُ) النبات رطباً كان أو يابساً ، و(العُشْب) النبات إذا كان رَطْباً .
(2) ـ (أجادِب) جمعُ أجدَب ، والأجادبُ : صِلابُ الأرض التي تُمسكُ الماء ولا تَشرَبُهُ سريعاً .
(3) ـ (قيعان) جمعُ قاعٍ ، وهي الأرضُ المُستويةُ الملساءُ التي لا تُنبِتُ .
(4) ـ قال الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) 1 :177 : ((قال القُرطبي وغيرُه : ضَرَب النبي صلى الله عليه وسلم لِما جاء به من الدينِ مثلاً بالغيثِ العام الذي يأتي الناسَ في حالِ حاجتِهم إليه ، وكذا كان حالُ الناسِ قبل مَبعَثِه صلى الله عليه وسلم ، فكما أن الغيثَ يُحيي البلد الميِّت ، فكذا عُلومُ الدين تُحيي القلبَ الميِّتَ .
ثم شَبَّه السامعين له بالأرضِ المختلفةِ التي يَنزِلُ بها الغيث .
فمنهم العالمُ العامِلُ المُعلِّمُ ، فهو بمنزلةِ الأرض الطيِّبةِ شَرِبَتْ فانتفَعَتْ في نفسِها وأنبَتَتْ فنَفَعتْ غيرَها .
ومنهم الجامعُ للعلمِ المُستَغرِقُ لزمانه فيه غيرَ أنه لم يَعمَلْ بنوافِله أو لم يَتَفقَّه فيما جَمَع لكنَّهُ أدّاه لغيرِه ، فهو بمنزلة الأرض التي يَسْتَقِرُّ فيها الماء فيَنتَفِعُ الناس به ، وهو المشارُ إليه بقوله صلى الله عليه وسلم : ((نَضَّرَ الله امرءاً سَمِعَ مَقالتي فوَعاها ، ثم أدّاها كما سَمِعَها ، فرُبَّ حاملِ فقهٍ غيرُ فقيهٍ ، ورُبَّ حاملِ فقهٍ إلى من هو أفقهُ منه)) .
ومنهم من يسمع العلمَ فلا يَحفَظُه ولا يعمَلُ به ولا يَنقُلُه لغيرِه ، فهو بمنزلةٍ الأرض السَّبِخَةِ أو المَلْساء التي لا تَقبَلُ الماءَ أو تُفسِدُه على غيرِها. وإنما جَمَع في المَثَل بين الطائفتين الأُوْلَيين المحمودتين لاشتِراكِهما في الانتفاعِ بهما ، وأفراد الطائفةَ الثالثةَ المذمومةَ لعدم النفع بها ، والله أعلم)) . انتهى .
فالصنفُ الأولُ هم أهلُ روايةٍ ودِرايةٍ ودعوةٍ وعَمَلٍ ، والصنفُ الثاني أهلُ رِوايةٍ ورِعايةٍ وعَمَلٍ ، ولهم نصيبٌ من الدِّراية ، والصنفُ الثالث الأشقياء لا رِوايةَ عندهم ولا دِرايةَ ولا رِعايةَ ، ولا حِفظَ ولا فَهْمَ ، لم يَقْبَلوا هُدى الله ولم يَرفعوا به رأساً ، بل أعرضوا عنه ، كما أوضحه الشيخُ ابن القيِّم رحمه الله تعالى في ((الوابل الصَيِّب من الكِلم الطيِّب)) ص57 ـ 59 ، فانظره لزاماً .
وقال الإمام النووي في ((شرح صحيح مسلم)) 15 : 48 : ((في هذا الحديث أنواع من العلم ، منها ضربُ الأمثال ، ومنها فضلُ العلم والتعليم ، وشدةُ الحَثِّ عليهما ، وذمُّ الإعراض عن العلمِ ، والله أعلم)) .